وثالثها : قوله : « وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » ، والمهيمن على الشيء : الرقيب الحافظ والمدبّر له . « 1 » وفي هذا التوصيف إشارة إلى أنّ تصديق القرآن للكتب السماويّة ليس بمعنى قبولها مع ما تشتمل عليه بنحو الإطلاق ، بل مع النظر فيها والمراقبة فيها من جهات :
منها : التعرّض فيها ، كما صرّح به في موارد .
ومنها : بيان أمدها وأنّ كلّ سابق منها منسوخ بمجيء اللاحق ، كما يستفاد من قوله تعالى : « ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها » « 2 » ، وقوله تعالى : في ما يأتي « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » ، وقوله : « وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجيلَ » « 3 » ؛ فإنّ لازم وجود الشرايع ومجيء النبيّ اللاحق بالكتاب نسخ الشريعة السابقة وكتابه .
ومنها : ملاحظة حال الشريعة الأخيرة بالنسبة إلى زمان القرآن ، والحكم بنسخها بالنسبة إليه بمعنى إبقاء عدّة من أحكامها وإمضائها وإزالة عدّةُ أخرى والحكم بانقضاء أمدها ؛ فانّ نسخ الشريعة لشريعة أخرى معناه رفع المجموع ، لا رفع الجميع ، فالقرآن كتاب مهيمن للكتب السابقة ، ورقيب وناظر إلّاأنّ أكثر ما تعرّض بالنفي والإثبات إنّما هو لحال الكتابين التوراة والإنجيل .
وقوله : « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » الفاء للتفريع ، وضمير الجمع إمّا راجع إلى اليهود والنصارى ؛ لسبق الكلام عن كلتا الطائفتين ، أو إلى الناس ؛ لكون الكتاب نازلًا إليهم ، وعلى التقديرين فالمعنى أنّه لمّا أعطاك اللَّه الكتاب المهيمن للكتب الناظر لها ، فيجب عليك الحكم على طبقه للطائفتين ، سواء أكان موافقاً لكتابهم ، أم مخالفاً ، وكذا لجميع الناس قضاء لحقّ الرقابة والهيمنة ، وليس لك اتّباع أهوائهم ، « عَمّا جَائَكَ » ، أي معرضاً عمّا جاءك من الحقّ .
ثمّ إنّه قيل : إنّ لازم هذا التقرير مخالفته لما مرّ من قوله تعالى : « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ
هامش
( 1 ) . راجع : تاج العروس ، ج 13 ، ص 437 ( همن ) . .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 106 . .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 46 . .