تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
وعملهم على وفقه ، أو هم شهداء عند اللَّه غداً على طاعة الناس ومخالفتهم بمقدار ما شاهدوا وعلموا ، أو أنهم شهداء عند اللَّه يوم القيامة بجميع ما عليه المكلّفون في عصرهم من عقايد وأخلاق وأعمال من ظواهر وبواطن وأسرار ، وذلك بتعليمهم من اللَّه لهم وإخباره تعالى في الدنيا ؛ ليشهدوا بها في الآخرة ، كما ورد بذلك روايات « 1 » في تفسير قوله تعالى : « وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ » « 2 » . وهذا مختصّ بالأنبياء ، ولا يعمّ الربانيّين والأحبار . قوله : « فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ » . الظاهر أنّ الخطاب لعلماء اليهود ، ويظهر من الكلام أنّ وجه انحرافهم عن حكم التوراة وتحريفهم لها ، أو العمدة في وجهه الخوف من الناس والطمع في حُطام الدنيا ، « 3 » فبيّن اللَّه لهم أنّهم قد استحفظوا التوراة ، ثمّ نهاهم عن مخالفتها خوفاً من ظالم ، أو طمعاً في مال أو جاه ، وهما قليلان بلغا ما بلغا . وقوله تعالى : « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ » . ظاهر الآية هو كفر كلّ من أعرض عن حكم اللَّه تعالى ، ولم يعتن به ، ولم يحكم على طبقه ، سواء في ذلك الحكم الأصولي المرتبط بالقلب والواجب عقد القلب عليه ، أو الحكم العملي المربوط بالأركان والواجب عمله ، وسواء أحكم على خلافه أم لا . ويتراءى من المفسّرين عدم الإذعان بالإطلاق وكأنهم أرسلوا لزوم التقييد إرسال المسلّمات ، فمنهم من حمل الموصول على اليهود ، « 4 » ومنهم قيّد عدم الحكم بالاستهانة بحكم اللَّه وإنكاره ، « 5 » وهكذا . ولا يخفى عليك أنّ كون المورد اليهود لا يخصّص الحكم الوارد ، وكذا كون حكمهم مقروناً بإنكار حكم النبيّ الأعظم وتكذيبه .
هامش
( 1 ) . راجع : البرهان ، ج 2 ، ص 839 - 845 ، ح 4692 - 4726 . . ( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 105 . . ( 3 ) . الحُطام : ما تكسّر من الشيء اليبيس . وحطام الدنيا : كلّ ما فيها من مال يفنى ولا يبقى . راجع : لسان العرب ، ج 12 ، ص 138 ؛ التحقيق ، ج 2 ، ص 245 ( حطم ) . . ( 4 ) . نقل عن الجبّائي في مجمع البيان ، ج 3 ، ص 347 . . ( 5 ) . نسب إلى الفيل في جامع البيان ، ج 6 ، ص 350 . .