جميع الشرايع ، وذلك كالمادّة للشرايع ، والاختلاف بالزيادة والنقصان باقتضاء العقول واختلاف الزمان إنّما هو في غير تلك الموادّ ، فمادّة الشرايع الدين الذي هو الإسلام ، والهيئة الخاصّة الحاصلة لها بتناسب الأعصار هي الشريعة ، فالأنبياء كانوا مسلمين جميعاً ، أي متديّنين بدين واحد ، متشرّعين بشرايع مختلفة .
قوله : « وَالرَّبَّانِيُّونَ » . أي يحكم بها الربّانيّون والأحبار .
قوله : « بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ » . كلمة « ما » في قوله : « بِمَا اسْتُحْفِظُوا » موصولة يبيّنها قوله « مِنْ كِتابِ اللَّهِ » ، والأولى جعلها بدلًا من الهاء المجرورة في قوله « يَحْكُمُ بِها » ؛ لإفادة أنّ حكمهم بها لأجل الاستحفاظ . وقيل : إنّ الجارّ متعلّق بالأحبار ، والمعنى : العلماء بما استحفظوا من كتاب . « 1 » والمراد بالحفظ المطلوب إمّا حفظ العبارات عن ظهر الغيب ، أو حفظ المعاني المقصودة في القلب ، أو الحفظ بالاستنساخ في القراطيس ونحوها ، أو الحفظ عملًا في ما بينهم وبين اللَّه ، أو حفظ أحكامه في ما بين الناس بإبلاغهم وتبشيرهم وإنذارهم ، أو حفظه عن الأعداء والمخالفين ؛ لئلّا يحرّفوه ويبطلوه ، أو الحفظ بجميع تلك المراتب .
ثمّ إنّ الضمير المرفوع في قوله : « بِمَا اسْتُحْفِظُوا » إمّا راجع إلى الأنبياء فقط ، أو إليهم وإلى الربّانيّين والأحبار ، ولا وجه لرجوعها إلى الأخير فقط ؛ لعدم استقرار المعنى .
وتفاوت مصداق الحفظ في الأنبياء والعلماء لا يضرّ بالمعنى ؛ فإنّ الجميع مأمورون بالحفظ ، كلّ على حسب حاله واستعداده .
ويعلم ممّا ذكرنا أنّ نسبة الأنبياء غير صاحب الشريعة إلى النبيّ السابق صاحب الشرع نسبة أئمّتنا عليهم السلام مع النبيّ الأعظم ؛ حيث إنّه صلى الله عليه وآله كالعلّة المحدثة للشريعة ، وهم كالعلّة المبقية ، وهذا هو المراد من الاستحفاظ المنسوب إلى الأنبياء .
قوله : « وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ » . أي هم شهداء على صدقه عند الناس بسبب علمهم به
هامش
( 1 ) . قال به الشيخ قدس سره والشيخ الطبرسي قدس سره . راجع : التبيان ، ج 3 ، ص 533 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 340 . .