تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
البيان قوله : « فيها هُدىً وَنُورٌ » . التفكير في الكلمتين للتنويع ، أي نوعاً من الهداية والنور يناسب حال أهل التوراة ومقتضى عقولهم وأحلامهم وزمانهم وجمعيّتهم ؛ فإنّ من عدل اللَّه أن يعطي كلّ شيء خلقه ، ويهدي كلّ خلق إلى ما يصلحه ويناسبه . ومتعلّق الهداية العقائد الحقّة والخلق الجميل والعمل الصالح وغير ذلك من حقائق ومعارف دنيويّة واخرويّة . والنور هو العلوم والحقائق التي بها تزول الشبهات وظلمات الجهل ، والفرق بينهما أنّ بيان الحقائق والمعارف هداية ، ونفس المعارف والعلوم نور . « يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا » . أيأنبياء بني إسرائيل ، أوّلهم موسى ، وآخرهم عيسى ، أو جميع الأنبياء حتّى عيسى ونبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله ؛ فإنّهما أيضاً كانا يحكمان بها في الجملة .

[ وجه توصيف الأنبياء عليهم السلام بالإسلام ]

وتوصيف النبيّين بالإسلام لأجل أنّ التسليم إلى اللَّه تعالى والانقياد له - الذي هو روح الدين وحقيقته ، وباقي الأحكام كالجسم له والبدن - كان موجوداً فيهم بمرتبته الكاملة ، قال تعالى : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » « 1 » ، أي أنّ روح الدين التسليم ، فحيث إنّهم واجدون لحقيقة ما أراده اللَّه من الإنسان بالنحو الأكمل ، ولا فضيلة للإنسان أشرف وأعلى وأرفع وأسمى من ذلك ، وصفهم اللَّه بذلك ، مع أنّهم - مع كونهم مرسلين من عند اللَّه - أنبياء من قبله تعالى ، قد انقادوا بأخذ كتاب غيرهم والعمل به وإبلاغه ، وهذا خضوع وتسليم تامّ يليق بيانه وإظهاره ، فوصفهم اللَّه تعالى بهذا الوصف . ويمكن أن يقال : إنّ الإسلام بمعنى الدين المركّب من الأصول والفروع ديناً إلهيّاً واحداً من بدو حدوث الشرايع إلى ختامها ، ولا تعدّد فيه ، وحقيقته عبارة عن عدّة أحكام اصوليّة وأمّهات الأحكام الفروعيّة الموجودة في جميع الأزمان وفي ضمن
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 19 . .