عالم منحرف عن الحقّ ، محرّف للكتاب ، أكّال بالدين .
قوله تعالى : « يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ » . السرعة في الكفر - نظير السرعة في سائر ما يكون خُلقاً للإنسان أو غرضاً له ، كالحسد والحرص وجمع المال - عبارة عن السعي التامّ في ترتيب الآثار عليه والجري على وفقه والاجتهاد فيه ، فتنطبق المسارعة على كثرة مخالفتهم حكم اللَّه وشدّة مبارزتهم مع نبيّه وكتابه ، وإطلاق المسارعة لأجل اجتماعهم على مفاد السرعة وتسارعهم في ذلك وتسابقهم .
قوله : « مِنَ الَّذينَ قالُوا » . يعني أنّهم طائفتان : المنافقون الذين آمنوا باللسان دون الجنان ، واليهود .
قوله : « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ » . ذكر لمصداق من مصاديق مسارعة اليهود ، ولم يذكر لمسارعة المنافقين شيء ، ولعلّ العمدة في المقام بيان شيء من حال اليهود ، وأمّا المنافقون فقد بيّن كثير من رذائل أوصافهم وقبائح فعالهم في أوائل سورة البقرة وفي سورة المنافقين وغيرهما من الموارد الكثيرة .
ثمّ إنّ ظاهر الآية كاشف عن وقوع حادثة خاصّة ظهرت فيها شيء من خبث باطنهم وكفرهم .
ففي المجمع في شأن نزول الآيات ما خلاصته :
أنّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم ، وهما محصنان ، « 1 » فكرهوا رجمها ، فأرسلوا عدّة إلى المدينة يسألوا النبيّ عن ذلك طمعاً في أن يأتي لهم برخصة ؛ حيث إنّ الحكم في توارتهم هو الرجم ، فقالوا :
يا محمّد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ، ما حدّهما ؟ فقال صلى الله عليه وآله :
« وهل ترضون بقضائي في ذلك ؟ » ،
قالوا : نعم ، فنزل جبرئيل بالرجم ، فأخبرهم بذلك ، فأبوا أن يأخذوا به ، فقال جبرئيل : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ، فرضوا به ، فأرسلوا إليه ، فأتاهم فقال النبيّ :
« أنشدك اللَّه الذي لا إله إلّاهو ، هل تجدون
هامش
( 1 ) . أصل الإحسان : المنع ، والمرأة تكون محصنة بالإسلام وبالعفاف والحرّيّة وبالتزويج ، وهي مُحْصِنة ومُحصَنة . وكذلك الرجل ، والمحصن بالفتح يكون بمعنى الفاعل والمفعول . راجع : النهاية ، ج 1 ، ص 397 ( حصن ) . .