من الاستماع .
وقوله : « أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » . وصف رابع لعلمائهم لبيان أنّ منشأ تحريف الكتاب هو الطمع الدنيوي وأخذ الرشوة وأكل الحرام ؛ فإنّ السُحْت أصله الاستيصال ، ويطلق على الرشوة والحرام . « 1 » والوصفان كلاهما لليهود من حيث لحاظهم طائفة واحدة وجواز إسناد وصف البعض أو فعله للكلّ ، وبهذا الوجه اسند إليهم أيضاً قوله : « فَإِنْ جاؤُكَ » مع أنّ الجائي بعضهم .
قوله : « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ . . . » . وفي الكلام تخيير للنبيّ الأعظم بين الأمرين :
الحكم بينهم بالقسط ، وترك الحكم بالكلّيّة ، فيفيد النهي عن موافقتهم والوعد بعدم إضرارهم عليه لو اختار الحكم بالقسط المخالف لميلهم .
قوله : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ » . القسط كما مرّ يطلق على النصيب بالعدل ، وقد يطلق القسط على أخذ قسط غيره ، فيكون بمعنى الجور ، والإقساط أن يعطي قسط غيره ، وذلك إنصاف وعدل . « 2 » قال في المجمع : والضابط أنّ ما كان من « قسط » فهو بمعنى الجور ، وما كان من « أقسط » فهو بمعنى العدل ، « 3 » انتهى .
والمراد من الإقساط هنا العدل في مرحلة الاعتقاد ، فيعتقد بما هو الحقّ ، وينكر ما هو الباطل . والعدل في مرحلة الصفات النفسانيّة ، فيتّصف بالمكارم ، ويتنحّى عن المعايب . والعدل في الكلام ، فيقول العدل ، ويجتنب الباطل . والعدل في القضاء ، فيقضي بالحقّ دون الجور . والعدل في العمل ، فيعمل بالمعروف ، ويزدجر عن المنكر .
وفي تذييل الآية الشريفة بهذه الجملة إشارة إلى وجود مراحل الجور والاعتساف « 4 » فيهم ، فنفاقهم وكفرهم وإنكارهم نبوّة النبيّ المبعوث إليهم وكتابه جور
هامش
( 1 ) . راجع : النهاية ، ج 2 ، ص 345 ( سحت ) . .
( 2 ) . راجع : المفردات للراغب ، ص 670 ( قسط ) . .
( 3 ) . مجمع البحرين ، ج 4 ، ص 268 ( قسط ) . .
( 4 ) . الاعتساف : الظلم ، من العسف ، وهو في الأصل : أن يأخذ المسافر على غير طريق ولا جادّة ولا عَلَم . وقيل : هوركوب الأمر من غير رويّة ، فنقل إلى الظلم والجور . راجع : النهاية ، ج 3 ، ص 237 ( عسف ) . .