والمراد بابتغاء الوسيلة هو طلب كلّ طريق يوصل الطالب إليه تعالى من عقائد صحيحة وصفات فاضلة وأعمال صالحة .
وحينئذ يكون الفرق بين الجملة الأولى والثانية أنّ متعلّق الأمر في الأولى هو ترك القبائح والرذائل في مراحلها الثلاث وتخلية الباطن والظاهر من القذارات المعنويّة وتصفيتها ، وفي الثانية هو أخذ المحاسن والفواضل في مراحلها الثلاث وتحلية الباطن والظاهر بحلية الكمالات الإنسانيّة والصفات الجماليّة العقلانيّة .
وحيث إنّ كلتا الجهتين تحتاجان إلى المجاهدة الأكيدة والجهاد الأتمّ وتحمّل مرتبة الصبر ، اضيقت إليهما الجملة الثالثة ، وهي قوله تعالى : « وَجاهِدُوا في سَبيلِهِ » ، أي وتحمّلوا المشاقّ في العمل بالتقوى وابتغاء الوسيلة ، وهما المرادان من السبيل المنسوب إلى اللَّه .
قوله : « لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » . استعمال كلمة « لعلّ » في كلامه تعالى لإفادة الترجّي الإنشائي بداعي بيان المطلوبيّة ، فكأنّه قال : أنا أطلب فلاحكم ، والمراد بالفلاح الفوز والظفر بالبغية « 1 » والنَجاح « 2 » في السعي ، ويشمل السعادة الدنيويّة والاخرويّة .
ثمّ إنّ الأوامر الأربعة - ؛ أعني الأمر بالتقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد والفلاح - كلّها أوامر إرشاديّة ، نظير قوله تعالى : « أطيعُوا اللَّهَ وَأطيعُوا الرَّسُولَ » ؛ « 3 » فإنّ التقوى عنوان كلّي لترك المحرّمات ، وابتغاء الوسيلة عنوان لفعل الواجبات والمندوبات ، والجهاد عنوان أعمّ منهما ، وكذا الفلاح ، وكلّها عناوين محسنَّة يحكم العقل بلزومها نظير عنوان الطاعة .
وقوله : « إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا » إلى آخر الآيتين مسوق لبيان أنّ السبب في فلاح الإنسان في دنياه وعقباه ينحصر في الأمرين اللذين أوجبنا الجهاد في تحصيلهما ،
و
هامش
( 1 ) . البغية ، بالكسر : الحاجة التي تبغيها ، أي تطلبها ، وضمّها لغة . وقيل : بالكسر البهيئة ، بالضمّ الحاجة . المصباح المنير ، ص 57 ( بغي ) . .
( 2 ) . النجاح : الظفر بالشيء . لسان العرب ، ج 2 ، ص 611 ( نجح ) . .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 59 ؛ المائدة ( 5 ) : 92 ؛ النور ( 24 ) : 52 ؛ محمّد صلى الله عليه وآله ( 47 ) : 33 ؛ التغابن ( 64 ) : 12 . .