بنحو فضيع كان يكره قائله أن يراه أحد ، أو لحدوث التعفّن فيه ببقائه أيّاماً .
قوله : « قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ . . . » . هذا دعاء على نفسه بطلب الهلاك ؛ فإنّ الويل الهلاك ، وقد يستعمل عند التحسّر ، « 1 » وكيف كان ، يدلّ على كثرة تحمّله التعب في إخفاء جنازة أخيه وعدم وجدانه سبيلًا إليه ، فتأسّف عند تنبّهه وتعلّمه عن الغراب .
وفي الكلام أيضاً دلالة على كون المراد من آدم وابنيه المذكورين في هذه القصّة هو آدم المصطفى وابناه المعروفان بهابيل وقابيل ، لا الذين ادّعي كونهم من طائفة بني إسرائيل ، « 2 » وإلّافكيف يجهل القائل كيفيّة دفن الميّت ؟ والاستفهام في « أَعَجَزْتُ » إنشائي بداعي التحسّر أو التعجّب .
وقوله : « فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمينَ » . هل المراد بندمه الندم على ذنبه وجرأته على ربّه ، وكلّ ندم توبة ، فهو تائب ، وكلّ تائب مغفور له ؟ أو المراد ندمه على عمله ؛ لاستتباعه مشقّة كثيرة وبغض والديه وسائر أرحامه وأقربائه ، أو لاستلزامه عدم نيله بما أراده بقتل أخيه من حيازة مقامه وتزويج زوجته .
وبالجملة ندمه على ما فاته من أمور دنياه وشهوات نفسه ، لا ما أصابه من جرأته على الربّ تعالى وعصيانه وطغيانه ، وجهان :
فعن تفسير العيّاشي عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : ذكر ابن آدم القابيل ، « 3 » قال :
فقلت له : ما حاله ؟ أمن أهل النار هو ؟ فقال « سبحان اللَّه ، اللَّه أعدل من ذلك أن يجمع عليه عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة » « 4 » .
إلّا أنّه يظهر من الروايات شدّة شقائه وعدم توبته ، « 5 » بل قد روي أنّه قد هيّأ بعد ذلك
هامش
( 1 ) . راجع : المفردات للراغب ، ص 888 ؛ لسان العرب ، ج 11 ، ص 738 ( ويل ) . .
( 2 ) . ادّعاه الحسن والجُبّائي وأبو مسلم . راجع : التبيان ، ج 3 ، ص 499 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 318 . .
( 3 ) . في المصدر : « قاتل » . .
( 4 ) . تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 311 ، ح 81 . .
( 5 ) . راجع : الكافي ، ج 6 ، ص 431 ، ح 3 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 309 ، ح 78 ؛ مستدرك الوسائل ، ج 8 ، ص 146 ، ح 9253 . .