تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
القتل ، أو إرادة القتل من الطرفين ؛ إذ لا إثم على المقتول غير المريد للقتل . وأمّا ما ورد في بعض الأخبار من أنّ المتسابيّن ، البادي منهما أظلم ، وزره ووزر صاحبه عليه ، « 1 » فمع أنّه قد تحقّق العصيان فيه من كليهما ، مورده حصول القصد من كلا الطرفين ، وليس مورد الآية كذلك ، فالمراد من الإثم سائر المعاصي ، كما ورد في عدّه أخبار أنّ معاصي المظلوم تحمل على الظالم ، فيطالب بها يوم القيامة . « 2 » إن قلت : إنّ حمل أوزار المقتول على القاتل ينافي قوله تعالى : « وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » ، « 3 » وقد ذكرت هذه الجملة في الكتاب العزيز في خمسة مواضع ، وقوله تعالى : « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلّا ما سَعى » « 4 » . وقوله تعالى : « فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ولا تُجْزَوْنَ إِلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » « 5 » ، وقوله تعالى : « ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازي إِلَّا الْكَفُورَ » ، « 6 » وغير ذلك من الآيات . قلت : في ترتّب المجازاة الاخرويّة على الأعمال الدنيويّة من الحسنات والسيّئات وجوه وأقوال : منها : أنّ ذلك - ، أي الثواب والعقاب الاخرويان - من الآثار الوضعيّة التكوينيّة للأفعال المتحصّلة في الدنيا ، كالغذاء المضرّ والدواء النافع ، فيورث الفعل الحسن أو السيّء حالة مستعدّة في النفس ، تتحقّق لها الفعليّة في عالم الآخرة بصورة الثواب والتلذّذ بالنعم ، أو بصورة العقاب والألم . ومنها : أنّ ذلك حكم جعلي تشريعي ، كالعقوبات والحدود والتعزيرات الدنيويّة ، فإنّها أحكام تشريعيّة عقلائيّة بنى العقلاء عليها حفظاً لنظام الاجتماعات عن اختلاله ووقوع الهَرْج « 7 » والمَرْج « 8 » فيه ، فالمجازات الاخرويّة حكم الهي تشريعي بتلك المثابة .
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 322 ، ح 3 ، وص 360 ، ح 4 . . ( 2 ) . راجع : كنز العمّال ، ج 3 ، ص 506 ، ح 7642 - 7644 . . ( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 164 ؛ الإسراء ( 17 ) : 15 ؛ فاطر ( 35 ) : 18 ؛ الزمر ( 39 ) : 7 . . ( 4 ) . النجم ( 53 ) : 39 . . ( 5 ) . يس ( 36 ) : 54 . . ( 6 ) . سبأ ( 34 ) : 17 . . ( 7 ) . الهَرْجُ : الفتنة ، والاختلاط ، والقتل . راجع : الصحاح ، ج 1 ، ص 350 ( هرج ) . . ( 8 ) . المرج : الخلط ، والفتنة المشكلة ، والفساد . راجع : لسان العرب ، ج 2 ، ص 365 ( مرج ) . .