تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
الظاهر في إرادة التساوي في المفسدة ، أو العقاب الأخروي - ليس من قبيل الأحكام الإنشائيّة القابلة للجعل ، بل هو راجع إلى مرتبة العلل والأسباب ؛ أعني المفاسد والمصالح ، وهي أمور تكوينيّة تابعة لتحقّق أسبابها تكويناً ، فمعنى كتابة ذلك على بني إسرائيل بيانها لهم بياناً كان فيه « 1 » عليهم شاقّاً ؛ لأنّه نحو تشديد في التكليف . الرابع : أنّ الأمر المذكور في الآية - ؛ أعني تماثل قتل الواحد وقتل الجميع في المفسدة - أمر واقعيّ على ما عرفت ، غير مرهون الوجود بعصر وزمان ، والواجب عقلًا على الحكيم العالم بالمصالح والمفاسد هو جعل الحكم التكليفي المناسب للملاك وإبلاغه على العباد ، وأمّا بيان نفس الملاك والمناط فلا يجب عليه ، نعم له البيان والإعلام أحياناً ؛ لغرض خاصّ ، كالحثّ على العمل ، أو الردع عن الارتكاب . إذا عرفت ما ذكر ، فمعنى الآية أنّ تلك الحادثة - ؛ أعني القتل ظلماً مع ملاحظة عللها الموجبة لوقوعها وملاحظة تحقّق تلك العلل في بني إسرائيل المقتضية لتكرّر مسبّبها فيهم - أوجبت أن نكتب في التوراة ونبيّن مفسدة من مفاسدها ؛ لينتهوا ويزدجروا ، وإن كان ذلك لم يقع مؤثّراً في نفوسهم ؛ حيث إنّه جاءتهم رسلنا بالبيّنات ، ثمّ إنّ كثيراً منهم ذلك قد أسرفوا في القتل . والحاصل أنّ الآية تفيد اختصاص كتابة هذه المفسدة وبيان الفلسفة ببني إسرائيل ، وأمّا الحكم الإلهي المسبّب عن هذه العلّة فهو حكم عامّ لجميع الأمم والملل . والجواب عن الثاني : أنّه لا إشكال في عدم تساوي الأمرين في الحرمة ، ولا في أثر الوضعي الدنيوي ، ولا في العقاب الأخروي . وحينئذ فقد قيل في توجيه المراد من الجملة وجوه : أوّلها : أنّ المراد : من قتل نبيّاً أو إماماً في عصر من الأعصار ، فكأنّما قتل جميع الناس الموجودين في ذلك العصر ، فالمعصوم تساوى نفسه نفس جميع من عاصره ، كما أنّ من أحيا نبيّاً أو إماماً بإنجائه من موت أو قتل ، فكأنّما أحيا جميع من عاصره ، و
هامش
( 1 ) . كذا في الأصل . .