فعلى الوجه الأوّل ترتّب جزاء سيّئات المقتول على القاتل غير ممكن عند العقل ، كعدم انتقال الصفات النفسيّة للمقتول وعوارض جسده إلى قاتله .
وأمّا على الثاني فهو ممكن ؛ إذ لا مانع عند العقل ولا قبح عند العقلاء في إلزام القاتل على تحمّل حقوق المقتول ممّا كان عليه من قبل الناس ، أو من قبل اللَّه تعالى ، وعليه فتكون الأخبار الدالّة على حمل القاتل أوزار المقتول مؤيّدة للوجه الثاني ، وحينئذ فيحسب وزر المقتول وزراً لقاتله ، وسعيه في القتل سعياً في نقل أوزاره إلى نفسه وكون عمله عملًا له ، فيندرج في مفاد الآيات التي استدلّ بها المستشكل .
ثمّ إن إرادة المقتول تحمّل أخيه إثمه مع إثمه ليس من قبيل إرادة أن يكون أخوه ظالماً قاتلًا للنفس المحقونة ؛ ليستشكل عليه بأنّه كيف أراد الأمر المنكر وأحبّه مع أنّه كان من المتّقين ؟ ولا من قبيل تسليم النفس للقاتل ظلماً ؛ لينكر أيضاً بأنّه انظلام قبيح وترك للدفاع عن النفس ، وهو واجب .
بل الظاهر من فحوى الكلمات وأخبار الباب أنّ أمره كان دائراً بين المحذورين :
إمّا أن يتهيّأ لقتل أخيه ، فيرصد له ويقتله قبل أن يصل أخوه إليه من جهة عمله بأنّه قد أراد قتله لا محالة ، وهذا قصاص قبل تحقّق الجناية حرام .
وإمّا أن يترك ذلك ، ويكل الأمر إلى اللَّه تعالى ، ويتحفّظ على نفسه مهما تيسّر ، فإن لم يقدر عليه فقتل ، كان معذوراً عند ربّه مظلوماً ، وهذا أيسر الطريقين عند العقل والشرع ، فاختار ذلك ، وعمل بما هو الوظيفة له ، وهذا معنى قوله : « إِنِّي أُريدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمي وَإِثْمِكَ » .
وقوله : « فَتَكُونَ » أي فينتج لك ذلك دخول النار وصيرورتك من أصحابها .
وقوله : « وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمينَ » . أي النار جزاء الظالمين ، والظالم وإن كان مطلقاً شاملًا للظالم بنفسه وغيره وللظالم في العقائد والصفات النفسيّة والأعمال الجوارحيّة ، إلّاأنّ الظاهر أنّ القضيّة ليست كليّة ملحوظة فيها أبعادها الثلاثة ، بل هي أشبه بالمهملة ، والمتيّقن منها الظلم للغير بقتل ونحوه بقرينة المقام والمورد .
تفسير مبسوط — صفحة 572
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٥٧٢