وقوله : « فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخيهِ فَقَتَلَهُ » . قد يقال : إنّ مقتضى الفرق بين الإفعال والتفعيل - بدلالة الهيئة في الأوّل على دفعيّة وقوع المادّة و [ في ] الثاني على تدريجيّته - أن يكون المراد أنّ ترخيص النفس للقتل وتسهيله قد وقع تدريجاً وبعد مدّة من حصول الوساوس وتصوّر المحاذير وملاحظة عاقبة الأمر ، ثمّ العزم والإرادة ، وهذا ليس ببعيد من عمل الإنسان ، خاصّة في ما كان أمراً هامّاً بدويّاً غير مسبوق بوقوع الأمثال وحصول التجارب . ويمكن كون « طوّعت » فعلًا لازماً ، والمعنى : أطاعت له نفسه في قتل أخيه . « 1 » قوله تعالى : « فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ » . أي بعثاً تكوينيّاً إلهاميّاً بإيداع تلك الغريزة في ذاته ؛ حيث إنّه حيوان بحّاث في الأرض نبّاش ؛ لأن يجد فيها ما يرتزق به ، أو يدفن فيها رزقه ، وهذا كقوله تعالى : « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً . . . » « 2 » ، أو بعثاً إراديّاً بتعليمه ذلك ؛ ليعلّمه القاتل ، كقول الهدهد لسليمان : « فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقينٍ » « 3 » .
ثمّ إنّ الظاهر أنّ البحث في المورد كان لدفن الغراب الذي قاتل صاحبه ، « 4 » فقتله ، كما يظهر من الرواية ، « 5 » وإن أمكن إرادة مجرّد البحث ؛ لالتفات القاتل بذلك إلى لزوم الدفن .
وقوله : « لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُواري » . أي ليريه اللَّه ذلك ، أو ليريه الغراب . وعلى الثاني فالمراد : ليقع روية القاتل عليه من غير قصد بذلك من الغراب ، فاللام للعاقبة ، أو ليعلّمه ذلك ، فكان الأمر بنحو الإعجاز بناء على القسمين المذكورين في البعث ، فالبعث والبحث والإراءة متلازمات في الحمل على التكوين والإعجاز .
قوله : « سَوْأَةَ أَخيهِ » . إطلاق السوأة إمّا لكونه عرياناً لا ثوب عليه ، أو لكونه مقتولًا
هامش
( 1 ) . هذا شيء استنبطه العلّامة الطباطبائي قدس سره من كلام الراغب . راجع : المفردات للراغب ، ص 529 - 531 ( طوع ) ؛ الميزان ، ج 5 ، ص 306 . .
( 2 ) . النحل ( 16 ) : 68 . .
( 3 ) . النمل ( 27 ) : 22 . .
( 4 ) . في الأصل : « تقاتلا » بدل « قاتل صاحبه » ، والصحيح ما أثبتناه . .
( 5 ) . راجع : تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 166 . ونقله عن الأصمّ في مجمع البيان ، ج 3 ، ص 318 . .