قوله : « فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقينَ » . ظاهره طلب التفرقة في ما بين نفسه وأخيه وأتباعه المنقادين وبين القوم الفاسقين أي الخارجين عن طاعة اللَّه ورسوله ، ولا يظهر منه مرماه الباتّ وأنّه كان يدعو على قومه بالهلاك والدِمار ، « 1 » أو على نفسه بالخروج عن مجتمعهم إلى محلّ آخر ، أو بالموت .
ويبعد الأخير أنّه لا ينبغي للنبيّ العظيم موسى طلب الموت لأخيه وسائر امّته المطيعين له .
وحيث إنّه يظهر من لحن بعض الآيات أنّ اللَّه قد وعدهم الظفر على أعدائهم والتسلّط على الأرض المقدّسة وعلى أرض مصر ، فلا يبعد أن يكون الغرض من دعاء موسى عليه السلام تجزئة ملّته وتفريق المطيع عن العاصي وإهلاك العاصين ، أو إبعادهم وتنجيز عداته في حقّه وحقّ المطيعين ، وقد تحقّق هذا الأمر في الخارج بعد موت موسى عليه السلام وارتحاله .
وقوله : « قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعينَ سَنَةً » . أيأنّهم ممنوعون من دخول الأرض المقدّسة أربعين سنة ، فالتحريم تكويني ، لا تشريعي ، ولا ينافي ذلك ما وعدهم اللَّه وكتبه من أنّهم يدخلونها ؛ فإنّ الوعد للُامّة الإسرائيليّة من غير دخل الأشخاص ، وقد نقل أنّه قد هلك في التيه جميع القائلين : « لَنْ نَدْخُلَها » ، ثمّ فتحها يوشع من النسل اللاحق منهم . « 2 »
قوله : « يَتيهُونَ فِي الْأَرْضِ » . التيه : موضع الحيرة ، والتائه : الواقع في الحيرة ، « 3 » فكان القوم متحيّرين في ذلك المحلّ طِيلة تلك المدّة ، وظاهر الكلام لا يقتضي كون ذلك بنحو الاعجاز والأمر الخارق للعادة .
ولعلّ مخالفتهم لأمر اللَّه ووقوع الاختلاف بينهم أورثت توقّفهم ، ثمّ اشتغلوا في المحلّ بتجارة واكتساب وزراعة وغيرها ، فحصل التوطّن هناك من غير إرادة
و
هامش
( 1 ) . الدِمارُ : استئصال الهلاك . لسان العرب ، ج 4 ، ص 291 ( دمر ) . .
( 2 ) . راجع : البدء والتاريخ ، ج 3 ، ص 87 و 88 . .
( 3 ) . راجع : المفردات للراغب ، ص 169 ( تيه ) . .