تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
هواهم ، وعقولهم حاكمة على ميول أنفسهم . قوله : « ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ » . المراد باب المدينة ، أو باب الحرب ، أي اشرعوا في الجهاد ، وحكمهم بالغلبة بتّاً إمّا لما سمعوه من وعد اللَّه تعالى بلسان موسى وبيان التوراة ، أو لما علموا من خوف الجبّارين ؛ فإنّهم مع وصف الجبابرة قد سمعوا بلا ريب سطوة النبيّ العظيم موسى وإنجاءه بني إسرائيل وغلبته على فرعون وقومه في مقام الخصام وإظهار المعاجز وما أصاب فرعون وملأه من الغرق والذلّة والهوان ، فأوجد ذلك في أنفسهم صغاراً وخوفاً ، أو أنّهما كانا نبيّين أو وصيّين ، فعلما ذلك بوحي أو إلهام . قوله : « وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا » . قد مضى أنّ التوكّل عليه تعالى وكول الأمر إليه بعد إيجاد ما يتيسّر للعبد فعله من مقدّمات المقصد ، لا الإيكال إليه ما يجب فعله عليه ، كما قد يتوهّمه الجاهل . وقوله : « قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فيها » . يظهر من الآية أنّه لم يؤثّر فيهم أمر موسى وحثّه على الدخول وما وعظهم الرجلان المنعم عليهما من اللَّه إلّافي خلاف المطلوب والسير قهقري ، فنفوا دخولهم وقبول أمر نبيّهم وإجابة أمر اللَّه تعالى بأشدّ من الأوّل ؛ حيث أضافوا إليه كلمة « أَبَداً » . قوله : « فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا » . ملاحظة حال اليهود - على ما يستفاد من الكتاب الكريم والأخبار الواردة ، بل وظاهر كتابهم أيضاً - تورث الاطمينان بأنّهم كانوا امّة مجسِّمة قائلين بتجسّم الربّ ، وإن تنزّلنا عن ذلك فهم لم يستطيعوا الإذعان بربّ غير جسم ، وكان اعترافهم باللَّه تعالى بدعوة موسى عليه السلام أمراً ظاهريّاً تعبديّاً ، مترقبين وجدان إله متجسّد ، راجين وجود من يدعوهم إلى ذلك ، فيلبّوه مذعنين ، ويهطعوا « 1 » إليه مسرعين ، ولا يبرحوا معتكفين .
هامش
( 1 ) . يقال : هَطَعَ يَهْطَعُ وأهطع : أقبل على الشيء ببصره ، فلم يرفعه عنه ، وأقبل مسرعاً خائفاً ، لا يكون إلّامع خوف ؛ أو نظر بخشوع ؛ أو مدّ عنقه وصوّب رأسه . والمُهْطيع : الذي ينظر في ذلّ وخشوع . لسان العرب ، ج 8 ، ص 372 ( هطع ) . .