تعليقيّاً معلّقاً على الذكورة ، ويشهد له ظهور تحسّرها عند انكشاف كونه أنثى ، وقد يقال : إنّ علمها بذلك كان بإيحاء من اللَّه ووعده تعالى أن يرزقها ولداً ذكراً ، « 1 » فكانت تتخيّل أنّه الولد بلا وساطة ، وكان متعلّق مشيّة الربّ تعالى كونه ولد الولد ؛ أعني عيسى عليه السلام .
وقوله تعالى : « إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » ، أي السميع لمقالي وكلّ ما من شأنه أن يسمع ، والعليم بما في قلبي وبكلّ شيء .
قوله : « قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَآ أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ » ، إخبارها بأنّ ما وضعت أنثى وقع تعجّباً من ظهور خلاف ما تعتقده أو تحسّراً على ذلك ، ويجوز في كلمة « وضعت » كسر التاء وضمّها وجزمها ، فعلى الأوّل والأخير فهي من كلام اللَّه تعالى ، وعلى الوسط تكون من كلام امرأة عمران .
ثمّ إنّ كونه تعالى أعلم من جهة أنّ امّها لم تعلم من مولودها إلّاأنّه أنثى ، والربّ تعالى يعلم وجودها وجميع آثار وجودها وما سوف تتّصف بها من العقائد والأخلاق وسوف تكبر وتعمل من العبادات والأفعال الحسنة وما ينتهى إليه أمرها في دنياها وعقباها ، إلى غير ذلك .
قوله تعالى : « وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى » . يحتمل كون الألف واللام في كلمة « الذكر » للعهد الذهني ، وفي « الأنثى » للخارجي والحضوري ، فالكلام كلام اللَّه تعالى يخبر بعد تعجّبها وتحسّرها عن عدم ولادة الولد الذكر بأنّ الذكر المعهود في فكرة امرأة عمران والمقصود المعيّن في ذهنها ليس كالأنثى الموجودة التي ولدتها ، بل هذه أفضل وأكمل من ذلك ؛ إذ المركوز في ذهنها هو الذكر السويّ القابل لخدمة البيت ، وأضف إلى ذلك الإيمان والعمل الصالح ، لكنّ الأنثى التي تكبر وتصير من أكبر العباد ومورداً لاصطفائه تعالى لها على نساء العالمين ووالدة لعيسى كلمة اللَّه ، « 2 » أفضل من ذلك بلا
هامش
( 1 ) . نقله الرازي عن الحسن البصري في تفسيره ، وفيه : « بإلهام » بدل « بايحاء » . راجع : مفاتيح الغيب ، ج 8 ، ص 203 ، ذيل الآية 35 من آل عمران ( 3 ) . .
( 2 ) . اقتباس من قوله تعالى : « إذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسيحُ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَوَجيهاً في الدُّنْيا وَاْلآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبينَ » . آل عمران ( 3 ) : 45 . .