فالجواب : أنّ اللَّه تعالى يحكم بأنّ تلك الحوادث حاصلة من ناحية ذنوبهم وجزاءٌ سيّئٌ بمثل سيّئتهم ، ولا تعرّض في الآية لدليل هذا الحكم ، فاللازم تتّبع التواريخ والفحص عن الحوادث والتطلّع على أعمالهم وفعالهم حتّى يتبيّن جواهر ذاتهم وحالات مجتمعهم وخصائص نفسيّاتهم وأعمالهم وأفعالهم ، فيعلم بأنّ الحوادث الشاملة لهم هل هي مِنْحَة « 1 » وعطيّة من اللَّه تعالى لترفيع درجاتهم ، كالأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين ، أو هي من نتائج أعمالهم وظلمهم وطغيانهم وفسادهم وإفسادهم ؟ والمطّلع على ذلك يسهل له القضاوة وإدراك ما رامه تعالى ب قوله : « قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ » ، فظهر أنّ المراد بتعذيبهم هو التعذيب الدنيوي .
وقد يقال : إنّ المراد تعذيبهم في الآخرة ؛ فإنّهم قالوا : « لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلاّ أيّاماً مَعْدُودَةً » « 2 » ، فحاصل الجواب أنّكم إن صدقتم لما عذّبكم في الآخرة حتّى بالقدر الذي أقررتم به ؛ فإنّه لا يعذّب أبناءه وأحبّاءه في الآخرة .
وقوله : « يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » . الظاهر أنّ المراد به بيان كون الغفران والتعذيب بيده ، لا بيد غيره ، وليس المراد أنّ ملاك الغفران والتعذيب هو مشيئته وإرادته ، فله أن يعذّب الأنبياء والصالحين ، ويغفر للكافرين ، ويدخلهم الجنّة .
وقوله : « وَللَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ » بيان للملكيّة الإشراقيّة .
وقوله : « وَإِلَيْهِ الْمَصيرُ » . بيان للإماتة والحشر . وهذا نظير ما ورد أنّ كلمة « لا إله إلّا اللَّه » إقرار بالملك ، و « إنّا إليه راجعون » إقرار بالهُلْك . « 3 » ويتحصّل من قوله : « بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ . . . » أنّكم مخلوقون كسائر خلقه ، محكومون بإرادته كسائر المكلّفين ، مملوكون له كسائر ملكه من السماء والأرض وما بينهما ، راجعون إليه بعد الموت كسائر من يميته ويحييه ، فالجميع سواء في الحكم والعمل والجزاء .
هامش
( 1 ) . المِنْحَة : يطلق على كلّ عطاء . راجع : المصباح المنير ، ص 580 ( منح ) . .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 80 . .
( 3 ) . لم نعثر عليه ، نعم روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنله قال : « إنّ قولنا : « إنّا لِلَّهِ » إقرار على أنفسنا بالمُلْك ، وقولنا : « وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ » إقرار على أنفسنا بالهُلْك » . نهج البلاغة ، ص 486 ، الحكمة 99 . .