ثمّ إنّ ظاهر الجواب يدلّ على تسليم أنّه لو كان أحد ابناً للَّهو حبيباً له ، لا يعذّبه بذنوبه ، فأبطل دعواهم البنوّة والمحبّة بوقوع التعذيب بالذنوب .
إن قلت : إنّ ذلك غير جائز ؛ فإنّ تعذيب المذنب بذنبه ممّا يقتضيه العقل السليم ، فلا يمكن نفيه ولو عمّن اتّخذ ابناً وحبيباً .
قلت : الذي يحكم به العقل هو استحقاق المذنب للعقاب ، ولا إشكال في ذلك ؛ لأنّ الذنب هتك للمولى وحرمته وطغيان له وخروج عن زيّ الرقّيّة ، وكلّ تلك العناوين قبيحة عند العقل ، وأمّا فعليّة العذاب وعدم شمول عفو اللَّه تعالى فليست ممّا يحكم به العقل ، وظاهر الآية تسليم أنّهم لو كانوا أبناء لما ترتّب العقاب على ذنوبهم ، لا أنّهم لا يستحقّون ذلك .
ولا يبعد القول بأنّه لو اختار اللَّه أحداً بالبنوّة التشريفيّة والخُلّة ، جاز العفو عن ذنوبه قضاء لحقّ البنوّة وتمييزاً للأدعياء عن غيرهم .
هذا مع أنّ المفهوم من الآية هو الأمر التعليقيّ بمعنى أنّه لو كان أحد ابناً وحبيباً له لعفي عنه ، ولا دلالة على وقوعه خارجاً ، فلا ينافي القطع بعدم الوقوع .
ثمّ الظاهر أنّ المقتضي لنفي فعليّة العذاب اجتماع عنواني البنوّة والخلّة لا كالواحد من العنوانين بالاستقلال ، فلا دلالة فيها على عدم فعليّة التعذيب في حقّ الحبيب فقط ؛ ليورد عليه بأنّا نعلم أنّ اللَّه يعذّب العبد بذنوبه كائناً من كان ، مع أنّه لا يبعد القول بذلك بعين التقريب المذكور في ذي العنوانين .
ويمكن أن يكون محصّل الجواب أنّكم لو كنتم أبناء وأحبّاء لَما أذنبتم ذنوباً أورثت تعذيبكم ، فحيث تحقّق العذاب فأنتم كاذبون .
ثمّ إنّ قوله : « فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ » بصيغة المضارع يدلّ على وقوع التعذيب مستمرّاً ، وقد عرفت أنّ التاريخ شاهد بوقوع المَثُلات « 1 » على الطائفتين في مدى الأعصار السابقة .
ولو قيل : إنّ المَثُلات النازلة لا تدلّ على عدم البنوّة والخلّة ؛ فإنّ ذلك يصيب المؤمن والكافر والصالح والطالح ، كما هو واضح .
هامش
( 1 ) . المَثُلات : المُثلَة ، وهي نِقْمة تنزل بالإنسان ، فيجعل مثالًا يرتدع به غيره . المفردات للراغب ، ص 670 ( مثل ) . .