تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
بأنّ اللَّه ثالث ثلاثة : الأب والابن وروح القدس ، ونعوذ باللَّه من جميع ذلك . « 1 » وهذه الآية ظاهرها إرادة الطائفة الأولى منهم . وقوله : « وَقالَتِ النَّصارى الْمَسيحُ ابْنُ اللَّهِ » « 2 » إشارة إلى الطائفة الثانية . وقوله تعالى : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ » « 3 » بيان للطائفة الثالثة . وقوله : « فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً » . أي فمن يتسلّط على شيء من أمور اللَّه وممّا له التصرّف فيه وفعله ؟ أو فمن يملك شيئاً من خلقه ويتسلّط عليه مستقلّاً من اللَّه وخارجاً عن قدرته ؟ ثمّ إنّ قوله تعالى : « فَمَنْ يَمْلِكُ » إلى آخر الآية أربع جملات مع متعلّقاتها ، وهي بمنزلة البرهان على بطلان دعوى النصارى وكفرهم ، فالجملة الأولى تفيد أنّ اللَّه تعالى قادر على إهلاك عيسى وامّه وجميع الناس ، مسلّط على ذلك . والثانية والثالثة بمنزلة التعليل للُاولى ، فكأنّه قال : فإنّ جميعهم مملوكون للَّه‌كسائر أجزاء العالم ، ومخلوقون له على حسب مشيئته . والرابعة كالتعليل للثلاثة . فيتحصّل من المجموع أنّ عيسى محكوم مدبّر بإرادة الربّ تعالى ؛ لأنّه مملوك له ، مخلوق بإرادته ، والموجود المسلَّط عليه المملوك المخلوق لا يكون إلهاً وربّاً .

[ تحقيق في البُنُوّة والخُلّة المدّعاتان لليهود ]

وقوله : « نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ » . أينحن أدعياء « 4 » اللَّه تعالى وكأبنائه من جهة القرب والتشريف ، ولا نُقاس بغيرنا ، وغرضهم عدم تعذيبهم كسائر الناس وإن فعلوا ، ما فعلوا ، وليس المقصود أنّهم أبناء اللَّه تعالى ، كنفس عيسى وعزير ، كما يشهد بذلك مذهبهم وإضافة كلمة الأحبّاء وقوله تعالى في جوابهم : « فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ » إلى آخره .
هامش
( 1 ) . للتعرّف لأحوال هذه الفرق وعقائدهم والمؤسّسين لها ، راجع : الملل والنحل ، ج 1 ، ص 222 - 228 . . ( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 30 . . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 73 . . ( 4 ) . الأدعياء : جمع الدَعِيّ ، وهو الذي يتبنّاه الإنسان . راجع : مجمع البيان ، ج 8 ، ص 119 ، ذيل الآية 4 من سورةالأحزاب ( 33 ) ؛ لسان العرب ، ج 14 ، ص 261 ( دعا ) . .