فمعنى الآية أنّ هداية النبيّ ، أو الكتاب إلى الأحكام الاصوليّة وفضائل النفس ومحاسن الأفعال إنّما تتحقّق في حقّ النفوس الحيّة المستعدّة لاتّباع الرضوان ، لا المقتولة بسيف العصبيّة العمياء والعناد والطغيان .
هذا ولكنّ استعمال الفعل الظاهر في الفعليّة في معنى القوّة غير ظاهر ، وإن كان ذلك صحيحاً في اسم الفاعل ونحوه .
أو يقال : إنّ المراد إدامة الهداية بالنسبة إلى من اتّبع الرضوان .
أو يقال : زيادة الهداية بالنسبة إلى من اتّبع أصلها .
أو يقال : إنّ المراد بسبل السلام طرق الجنّة في القيامة ؛ إذ لعلّ لكلّ جنّة طريقاً ، فيهديه اللَّه إلى تلك السبل .
وقوله : « وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » . الظلمات هي العقائد الباطلة ، والخُلُق الرذيلة ، والأعمال القبيحة ، والنور ما يقابل جميع ذلك ، فالنور ينطبق على المراد باتّباع الرضوان وسبل السلام في ما مرّ ، فالكلام تأكيد للجملة السابقة ، أو أنّ السابقة راجعة إلى من لم يدخل في الظلمات ، فشملته العناية الربوبيّة من أوّل أمره ، وهداه النبيّ والكتاب إلى سبل السلام .
وهذه الجملة راجعة إلى من دخل الظلمات ، فاتّصف بالإذعانات الفاسدة والخلق السيّئة وقبائح الأعمال ، إلّاأنّها كانت لقصور في الشخص ، أو عدم بلوغ دعوة نبيّ اللَّه وكون الزمان زمان الفترة ، أو بُعد محلّه عن مواطن العلم والمعارف ، لا من جهة انغماره في الشهوات عناداً وتعصّباً وامتناعاً عن قبول الحقّ .
ثمّ إنّ ذكر الظلمات بلفظ الجمع والنور مفرداً - مع أنّ مقابل كلّ أمر كان رضى للَّهو سبيل السلام ونوراً ، أمر آخر هو منحوط ممقوت وسبيل الهلاك وظلمة - فيه خفاء .
لكن يمكن أن يقال : إنّه إن لوحظ كلّ حكم وسبيل بالاستقلال وفي مقابل سبيل آخر ، فهي متعددة يصحّ إطلاق السبل على الجميع ، وكذا إطلاق الأنوار ؛ وإن لوحظ الجميع من الأصول والفروع والأخلاق شيئاً واحداً ؛ لوحدة الغرض منها ، وهو
تفسير مبسوط — صفحة 542
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٥٤٢