تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
شحن الكتابان بهما ممّا لا يرتضيه العقل ، فيعلم أنّ ذلك من تحريف أتباعهما . وقوله : « قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ » . المراد بالنور النبيّ الأعظم ، أو القرآن الكريم ، وقد اطلق النور على القرآن في موارد أخر ، كقوله تعالى : « وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنْزِلَ مَعَهُ » « 1 » ؛ « فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذى أنْزَلْنا » « 2 » واطلق على النبيّ كلمة « السراج المنير » ، « 3 » ولم يطلق النور ، لكنّ الإطلاق صحيح ولو لم يقع في سائر الموارد ، وقد روي في قوله : « مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ » « 4 » أنّ المراد مثل نبيّه . « 5 » والمراد بالكتاب المبين القرآن وإن صحّ احتمال كون المراد به أيضاً النبيّ ؛ فإنّ الإنسانَ مطلقاً ، أو الكامل منه - فضلًا عن النبيّ الأعظم المنحصر بالفرد في الإنسانيّة - وجميع ما يتصوّر في موجود ممّا خلقه اللَّه من الحسن والكمال والرفعة والمقام والجلال ، كتابٌ كبير تدوينيّ إلهي ، فيه أبواب وفصول ومطالب غامضة وحقائق ودقائق وأسرار ورموز لا يعرفها إلّاخالقه ، ولا يحيط بها إلّامن ألّفه ودوّنه . قوله : « يَهْدي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ » . الباء في قوله « بِهِ » للسببيّة ، والضمير المجرور راجع إلى النور ، أو إلى الكتاب . ويفهم من الآية الشريفة أنّ هنا هادياً بالتسبيب ، وهادياً بالمباشرة ، ومن تقع له الهداية ، وسبلًا تقع إليها الهداية ، فالأوّل هو اللَّه تعالى ، والثاني النور أو الكتاب ، والثالث من اتّبع رضوان اللَّه ، والرابع سبل السلام . وحينئذ فإن كان المراد برضوان اللَّه العقائد الحقّة الصحيحة وكرائم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، كما أنّه لابدّ من أن يكون المراد بسبل السلامة أيضاً هذه الأمور الثلاثة ، كان محصّل الكلام أنّ النبيّ أو القرآن يهدي الإنسان الذي حصل فيه الهداية إلى سبلِ السلام سبلَ السلام ، وهذا بيان لتحصيل الحاصل . فاللازم حينئذ أن يقال : إنّ المراد بمن اتّبع رضوان اللَّه من له قابليّة الاتّباع واستعداده ، لا الفعليّة ، كما في قوله تعالى : « هُدًى لِلْمُتَّقينَ » « 6 » ، أي هذا الكتاب هاد لمن له استعداد التقوى ببقاء فطرته السليمة وعقله الموهوب على حاله وعدم استتاره تحت أستار العصبيّة والعناد .
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 157 . . ( 2 ) . التغابن ( 64 ) : 8 . . ( 3 ) . الأحزاب ( 3 ) : 46 . . ( 4 ) . النور ( 24 ) : 35 . . ( 5 ) . راجع : التبيان ، ج 7 ، ص ص 437 ؛ مجمع البيان ، ج 7 ، ص 250 . . ( 6 ) . البقرة ( 2 ) : 2 . .