تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
وقال عليه السلام : « لم يقرب من الأشياء بالتصاق ، ولم يبعد عنها بافتراق » « 1 » . وقال عليه السلام : « لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولم ينأ « 2 » عنها فيقال : هو منها بائن » . « 3 » وقال عليه السلام : « الشاهدِ لا بمماسة ، والغائبِ « 4 » لا بتراخي مسافة » . « 5 » وقال عليه السلام : « بأنّ من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها ، وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه » « 6 » . وقوله : « لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ » . تقديم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإيمان بالرسل لعلّه لما ينقل عنهم من كونهم قائلين بهما ومواظبين عليهما ، لكنّهم كانوا ينكرون رسل اللَّه ، فيتركون عونهم ، فكأنّه تعالى قد بيّن أنّهما لا يتمّان إلّابالإيمان بالرسل إيماناً تامّاً بتعقّبه العمل عليه ، وفي رأس جميعها موارزتهم « 7 » وعونهم والجهاد معهم . ثمّ إنّ الآية قد تعرّضت بعد الإيمان الذي هو فعل قلبيّ لُامور أربعة : الصلاة ، والزكاة ، والجهاد ، والصدقة ، فيمكن كون الصلاة مثالًا لكلّ عمل عبادي رابط بين الخلق وخالقه ، والزكاة لكلّ حقّ واجب رابط بين العباد بعضهم مع بعض ، والقرض لكلّ إحسان مندوب وإنفاق مستحبّ في سبيل اللَّه وإصلاح حال العامّة . فلو عملت الامّة بهذه الأمور ، صلحت حياتهم في دنياهم ، وحالهم في عقباهم ، والحافظ المتكفّل لجميع ذلك وضمنيه الكافل لدوامه هو الجهاد الذي يشمل الدعوة إلى الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك قوله : « وَعَزَّرْتُمُوهُمْ » . ونتيجة هذه الأمور ما بيّنه تعالى بقوله : « لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ » إلى آخره .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 232 ، الخطبة 163 . . ( 2 ) . « لم ينأ » ، أي لم يبعد ، من النأى بمعنى البعد . راجع : الصحاح ، ج 6 ، ص 2499 ( نأي ) . . ( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 96 ، الخطبة 65 . . ( 4 ) . في المصدر : « والبائن » . . ( 5 ) . نهج البلاغة ، ص 211 ، الخطبة 152 . . ( 6 ) . المصدر . . ( 7 ) . الموازرة : المعاونة ، وحمل ثقل الآخر ، من الوِزْر بمعنى الثقل . راجع : المفردات للراغب ، ص 868 ( وزر ) . .