ولو كان كذلك لما ثبت لنا ربّ وإله وجنّة ونار ؛ فإنّ كلّ ذلك قد ثبت بقضاوة العقل ودرك الألباب السليمة ، فالملك له تعالى ، والأمر إليه ، إلّاأنّا نعلم بعدم تصرّفه في ملكه إلّا بالعدل ، وعدم تحقّق أمر منه بالجور ، وهو يفعل ما يشاء إلّاأنّ فعله يقع حسناً ، ويصدر على طبق الحكمة ، وهو لا يسأل عمّا يفعل ، أي لا يقدر أحد أن يؤاخذه بما فعل ؛ لأنّه لا أحد فوقه قابلًا للمؤاخذة ، ولا فعل صادر منه قابلًا للخدشة .
وبالجملة ، الظاهر أنّ العدل الذي من أصول الدين عندنا هو العدل الإلهيّ بأقسامه الأربعة ، فالواجب الاعتقاد بذلك ، وهذه صفة من صفات اللَّه تعالى ، يجب الإذعان [ بها ] ، نظير سائر صفاته من علمه ورحمته وكونه سميعاً بصيراً قادراً وغيرها ، وتخصيصها من بين الصفات لوجود المنكر لها من بين الفرق الإسلاميّة .
وأمّا العدل في المعصوم فهو أيضاً مما يجب الإذعان به بجميع مراتبه ، إلّاأنّ الظاهر أنّه أمر آخر من المعتقدات اللازمة . وعدّ العدل أصلًا ثانياً من أصول الدين قبل النبوّة يشهد بما ذكرناه .
ثمّ إنّ الأمر في الآية المبحوث عنها بالعدل أمر بالمكلّفين ، فإذا كان المخاطب أعمّ من المعصوم وغيره ، كان المأمور به بالنسبة إليه العدل بأقسامه الثمانية ، وبالنسبة إلى غيره العدل بأقسامه الثلاثة ، والطلب هنا للقدر المشترك بين الوجوب والندب ؛ لكون بعض مصاديق العدل استحبابيّاً ، كالمندوبات من العقائد والأخلاق والأعمال .
وقوله تعالى : « هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » . بيان عامّ لإيفاء قاعدة كلّيّة ، وحكم جامع ، وهو أنّ كلّ عدل أقرب إلى التقوى ؛ إذ في كلّ عدل نوع تحصّن عن الانحراف والجور ، ففيه تقوى وتحفظ عن السقوط في المهالك ، وهذا جار في جميع أقسام العدل الصادر من البشر ومصاديقه المختلفة ، كما عرفت .
تفسير مبسوط — صفحة 523
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٥٢٣