تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢

[ تحقيق في العدل وبيان الاختلاف فيه ]

ثمّ إنّه قد اشتهر بين عدّة من المسلمين وألسنة طائفة من الخواصّ - فضلًا عن العوامّ - عدّ العدل من الأصول الاعتقاديّة ، وقد اختلف في ذلك كلمات القوم ، فقال بعض علماء أهل السنّة بعدم كونه من الأصول وعدم لزوم الاعتقاد به ، « 1 » كالمعتزلة « 2 » منهم . والظاهر أنّ العدل المختلف فيه ومورد النفي والإثبات هو عدل اللَّه تعالى بأقسامه المذكورة ، والنافون له غير مخالفين في الحكم ، بل في الموضوع ، فلا يقولون بأنّه يجوز الظلم في حقّه تعالى ، بل لايتحقّق ظلم أصلًا في فعله تعالى ، فكلّ ما فعله عين العدل ، فلو أدخل الأنبياء والمؤمنين في النار والمشركين في الجنّة ، كان ذلك عدلًا ؛ لأنّ الملك له ، والأمر إليه ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون . « 3 » وظاهر هذا المقال كون كلامهم في العدل الجزائي ، الّا أنّ لازمه إنكاره مطلقاً وبجميع أقسامه . وعلى أيّ تقدير فهو كلام باطل ، وتعالى اللَّه عن ذلك ، ومآله إلى سلب الإدراك عن العقل وعزله عن منصب الحكم والقضاء ؛ فإنّه يدرك بالعيان دركاً غير قابل للترديد والتشكيك أنّ هاهنا فعلًا حسناً قابلًا لأن يمدح به فاعله ، وفعلًا قبيحاً قابلًا لأن يذمّ به عبداً كان الفاعل له ، أو ربّاً وخالقاً ، فيدرك الموضوع والحكم من غير ريب وشبهة ، فإلقاء النبيّ الذي لم يذنب ذنباً في النار وتعذيبه منكر لذي العقل ، قبيح عند العقل ، وإكرام الكافر الذي لم يترك جناية إلّاارتكبها وإدخاله الجنّة كذلك ، فلا يصدر من حكيم عادل عالم إلّاإذا عزلنا العقل عن قابليّة الحكم والقضاء .
هامش
( 1 ) . قال به الأشاعرة . راجع : شرح الأصول الخمسة ، ص 82 و 203 - 211 ؛ شرح المقاصد ، ج 4 ، ص 282 وما بعدها ؛ شرح المواقف ، ج 8 ، ص 181 وما بعدها . . ( 2 ) . قوله قدس سره : « كالمعتزلة » مثال للمنفيّ لا النفي ؛ فإنّ المعتزلة يعتقدون بالعدل كالإماميّة . راجع : نهج الحقّ ، ص 72 وما بعدها ؛ كشف المراد ، ص 417 - 422 . . ( 3 ) . من قوله قدس سره : « لأنّ الملك له » إلى هنا اقتباس من الآيات التالية : آل عمران ( 3 ) : 18 ؛ المائدة ( 5 ) : 1 ؛ الأنعام ( 6 ) : 73 ؛ الأعراف ( 7 ) : 54 ؛ الأنبياء ( 21 ) : 23 ؛ الحجّ ( 22 ) : 18 ؛ فاطر ( 35 ) : 13 ؛ الزمر ( 39 ) : 6 ؛ التغابن ( 64 ) : 1 . .
تفسير مبسوط — صفحة 522 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى