[ تحقيق في عدل المعصوم عليه السلام وبيان مراحله الخمس ]
وأمّا العدل في المعصوم فهو أمر آخر غير العدل الملحوظ في ناحية الخالق تعالى في مراحله الأربع ؛ إذ المعصوم ليس بخالق الأشياء ولا رازقه ، ولا بمشرّع للدين والشرايع ، ولا مجازٍ بالجزاء بالثواب والعقاب ، فعدل المعصوم - ؛ أعني الأنبياء والأئمّة عليهم السلام أيضاً - يكون في مراحل خمس غير المراحل الملحوظة في عدله تعالى :
الأولى : عدله في التبليغ ، وهو عبارة عن رعايته الاستقامة في التبليغ من اللَّه وبيان الأحكام وإيصالها إلى المكلّفين بحيث لا ينقص ، ولا يزيد ، ولا يجور ، ولا يحيف ، فزيادته فيها ونقصه عنها أو نسيانه أو خطاؤه جور واعتساف وخروج عن الاعتدال في التبليغ إلى الانحراف والباطل .
وهذا هو عدل المعصوم في التبليغ ونشر الأحكام .
الثانية : عدله في إجراء القوانين الجزائيّة ، كالتعزيرات والحدود المعينّة المشروعة لحفظ ثغور الأحكام والحماية عن حماها ؛ لئلّا يتغلّب عليها متغلّب ، ولا يخون لها خائن ، فيجب أن يكون عدلًا في إجرائها ، غير خائف ولا جائر بزيادتها في حقّ محكوم ونقصها أو إسقاطها عن آخر ؛ لهوى ، أو حميّة ، أو رياء ، أو عصبيّة .
وهذا عدل المعصوم في الحدود .
الثالثة : عدله في الدعوة ، فلابدّ من كونه عادلًا في مرحلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مستقيماً في العمل عليها واجرائهما بنحو التدرّج في مراتبهما من القلبيّة واللسانيّة والعمليّة برفق وتصاعد وتدرّج إلى أن يصل إلى الضرب والجرح والقتل والحرب والجهاد والإهلاك والإبادة « 1 » والاستيصال ، فإيفاء كلّ هذه المراتب على عاتق المعصوم ، وعليه الاعتدال والاستقامة في ذلك كلّه ، كما قام به النبيّ الأعظم والأئمّة المعصومون عليهم السلام .
فهذا عدل المعصوم في الدعوة .
هامش
( 1 ) . الإبادة : الإهلاك . لسان العرب ، ج 3 ، ص 97 ( بيد ) . .