تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
الموجودات في الحقائق الجنسيّة والنوعيّة ، ولم يكن ذلك منافياً للعدل ، بل كان هو العدل بعينه بالنظر إلى خلق هذا العالم الذي لا يبقى ولا يدوم ولا ينتظم إلّابذلك الاختلاف ، فكذلك إعطاء كلّ وجود ما يقتضيه ويحفظ به بقاؤه ، وإلّاكان جوراً وانحرافاً عن طريقة الحكمة ، كما إذا بذل الأب العادل لكلّ واحد من ولده مقدار متساوياً من الغذاء واللباس مع كونهم متفاوتين في الأكل والجثّة ، وكما إذا أريد اعطاء البِتْرول « 1 » للسيّارات بالتساوي مع اختلافها في الصغر والكبر ، والحاجة ، نعم لو كان المراد من العدل التساوي ، كان ذلك خلاف العدل ، لكن عرفت أنّه ليس كذلك . ويشهد ذلك قوله : « الَّذي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذي قَدَّرَ فَهَدى » « 2 » ، وقال تعالى حكاية عن قول موسى عليه السلام : « رَبُّنَا الَّذي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » « 3 » ، فالمراد بالهداية في الموضعين إيصال كلّ خلق إلى رزقه المناسب ، وإيصال رزقه له بهداية الخلق إلى الرزق هداية تكوينيّة ، سواء تخلّلت الإرادة من ناحية المهتدي ، كما في ذوات الشعور ، أم لم تتخلّل ، كما في غيرها . وأمّا الثالث - ؛ أعني عدله في التشريع - فهو تعالى عادل في تشريعه الدين والشرائع التي أنزلها على أنبيائه ، وبلّغها بهم إلى المكلّفين ، فقد راعى سبحانه فيها الاستقامة والاعتدال في ما أوجبه وحرّمه وأحبّه وكرهه وغيرها ممّا جعله وأنشأه ، فعدم التشريع أصلًا جور وبخل ، والتشريعُ على غير النحو شرعه بتحريم الواجبات الفعليّة وإيجاب المحرّمات كذلك ، جورٌ وانحراف وخروج عن الاعتدال والاستواء ، وكذا تشريع أكثر ممّا شرعه بحيث يكون حرجاً وعسراً ، أو فوق طاقة المكلّفين جورٌ واعتساف . « 4 » فتشريعُ ما يكون مصلحاً لحالهم ، ضامناً لصلاح دنياهم وسعادة عقباهم ، موافقاً
هامش
( 1 ) . البتْرُول : معرّب پتْرُول ، وهو النفط . والمراد به هنا ما تحترق به السيّارات ، ونقول له بالفارسيّة : « سوخت » . . ( 2 ) . الأعلى ( 87 ) : 2 و 3 . . ( 3 ) . طه ( 20 ) : 50 . . ( 4 ) . الاعتساف : الظلم ، من العسف ، وهو في الأصل : أن يأخذ المسافر على غير طريق ولا جادّة ولا عَلَم . وقيل : هو ركوب الأمر من غير رويّة ، فنقل إلى الظلم والجور . راجع : النهاية ، ج 3 ، ص 237 ( عسف ) . .