لحال عقولهم ونفوسهم وأبدانهم عدلٌ واستقامة على طريق العقل وسبيل الحكمة . وفي هذه المرحلة أيضاً لا ينافي اختلاف المكلّفين في مصاديق التكليف وكثرته في حقّ البعض دون البعض ، كالأنبياء والأئمّة ؛ فإنّهم أكثر تكليفاً من غيرهم ، وكذا شدّة الحكم في حقّ بعض بالنسبة إلى آخر ، كالعلماء والجهّال ، فذلك كلّه ليس بخارج عن الاعتدال ، وليس ظلماً ولا جوراً ؛ فإنّه من مصاديق إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، فالاستقامة في التشريع والاستواء فيه اقتضت اختلاف المكلّفين فيه واختلاف التكليف .
ونظير التكاليف الواقعيّة الأوّليّة المشروعة بالأصالة القوانين والأحكام الجزائيّة المجعولة لحفظ تلك الأحكام عن الزوال والضياع وصونها عن المحو والاندراس ؛ فإنّ اللَّه تعالى كما قد جعل لكلّ شيء حدّاً ، فقد جعل لمن تعدّى تلك الحدود حدّاً ، فقد لوحظت الحكمة والمصلحة في تشريع الحدود الجزائيّة من التعزيرات والحدود المعيّنة لكلّ عصيان ومخالفة ، فتشريع الحدود أيضاً ثابت على وفق الاستقامة والاعتدال ، لا إفراط فيه ولا تفريط ، ولا انحراف فيه عمّا هو الحقيق بالجعل ، ولا جور ؛ لأن اختلافها بملاحظة اختلاف عللها عين العدل .
وهذا عدل إلهي تشريعي .
وأمّا الرابع - ؛ أعني عدله في الجزاء - فهو سبحانه عادل في مجازاته على الأعمال من حسناتها وسيّئاتها ، فيجازي المحسن بالإحسان والمسئ بالعقاب والخذلان ، ويتفضّل على الحسنة بعشر أمثالها ، ولا يجزي السيّئة إلّابمثلها ، فسنّة اللَّه تعالى في هذه المرحلة أيضاً سنّة عادلة مستقيمة موافقة للحكمة واقتضاء النظام العامّ والصلاح التامّ ، والاختلاف الموجود في مرحلتي الثواب والعقاب - بكثرة بذل الثواب لطائفة وقلّته لآخرين ، وزيادة العقاب لعدّة وقلّته لآخرين بتناسب اختلاف العاملين والأعمال والأمكنة والأزمنة ونحوها - يكون من مصاديق إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه بلا جور وحيف « 1 » وانحراف وميل .
وهذا عدل إلهيّ جزائيّ ، وهو كلّه في عدل اللَّه تعالى .
هامش
( 1 ) . الحَيْف : الجور والظلم . راجع : المصباح المنير ، ص 159 ( حيف ) . .