ينتظم التدبير بعد الخلق . والجَرْيُ العملي على وفق الحكمة والإيجادُ على طبقها كان عدلًا في الإيجاد ، والجري على خلافه جوراً في الإيجاد وانحرافاً فيه .
فالإيجاد واقع على الاستواء على قطب النظام التامّ والحكمة البالغة ، قال تعالى : « ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسيرٌ » « 1 » ، فمعنى عدم التفاوت في الخلق وقوع الجميع على طبق الحكمة ، وعدم الفطور عدم الخلل فيه عند العقول السليمة والعيون المبصرة .
وفي نهج البلاغة :
« وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ ؛ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ ؛ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وَغَامِضِ اخْتِلافِ كُلِّ حَيٍّ ، وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلّا سَوَاء » « 2 » .
فهذا عدل إلهي في الإيجاد .
وأمّا الثاني : فهو تعالى عادل في الرزق ، ونعني بالرزق هنا معناه الأعمّ ، وهو الإعطاء لكلّ موجود ما يليق بحاله ، ويقتضيه بقاؤه المقدّر ودوامه المحدود ، كالماء للنبات ، والهواء والغذاء للحيوان ، والعقل والعلم للإنسان إلى غير ذلك من أصناف الرزق وأقسامها التي لا يقدر المخلوق تقديره وعدّه ، والمربوب حُسبانه « 3 » وإحصاءه ، قال موسى عليه السلام : « رَبُّنَا الَّذي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » « 4 » وقوله : « الَّذي خَلَقَ فَسَوَّى » « 5 » .
ولا ينافي العدلَ في الرزق أيضاً زيادةُ ما بذله لبعض من المخلوق على ما بذله للآخر ، وكثرةُ ما أنعم لموجود من وسائل الحفظ والبقاء على ما أنعم على آخرين ؛ إذ قد عرفت أنّ العدل هو الاستقامة في الصنع والعمل ، فكما اقتضى ذلك اختلاف
هامش
( 1 ) . الملك ( 67 ) : 3 و 4 . .
( 2 ) . نهج البلاغة ، ص 271 ، الخطبة 185 . .
( 3 ) . الحُسْبان : الحساب . لسان العرب ، ج 1 ، ص 314 ( حسب ) . .
( 4 ) . طه ( 20 ) : 50 . .
( 5 ) . الأعلى ( 87 ) : 2 . .