ونظير ذلك غالب الطهارات الشرعيّة ، أو جميعها ، وكذا القذارات .
وقوله : « لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ . . . » . فإنّ جعل الأحكام تتميم لنعمة جعل الدين وتشريع الشريعة ، كما أنّ تطهير النفوس بهذا المقدار الحاصل بالطهارات الثلاث تتميم للكمال التامّ والرَقْيُ الكامل للنفوس البشريّة ؛ فإنّ في العمل بكلّ حكم من الأحكام مرتبة من تطهير النفس وترقّيها وتزكيتها وتعاليها إلى أن تنتهي إلى رتبة النفس المطمئنّة رزقنا اللَّه نيلها ، ورزقنا ما يترتّب عليه من خطابه تعالى : « ارْجِعي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلي في عِبادي وَادْخُلي جَنَّتي » « 1 » .
والحاصل أنّ هنا أحكاماً تشريعية من اللَّه ، وأفعالًا تتحقّق بها الإطاعة من العبد ، ومصالح وآثاراً تترتّب على الطاعة ، وكلّ ذلك نعمة من اللَّه تعالى ، فقوله : « لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ » يمكن أن يكون إشارة إلى كلّ واحدة من المراتب ، أو يكون إشارة إلى الجميع . وشكر كلّ نعمة منها هو إظهارها والمقابلة بالإحسان بما يناسبها ، فشكر الأحكام امتثالها عملًا ، وشكر الأعمال العلم بأنّ القدرة على إتيانها بتوفق اللَّه وبالتشكّر لساناً ، وكذلك شكر الجزاء والثواب .
[ عدم دلالة الآية الشريفة على قاعدة « لا حرج » ]
ثمّ إنّه قد يستدلّ في المقام بقوله تعالى : « ما يُريدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ » على القاعدة الفقهيّة المعروفة ب « قاعدة لا حرج » ، وحيث إنّ الظاهر أنّ هذه الآية غير دالّة على تلك القاعدة لم نستدلّ بها لذلك ؛ لما عرفت من أنّ المعنى أنّه ليست العلّة الغائيّة في جعل هذه الأحكام إيقاع العباد في الحرج ، بل العلّة تطهيرهم وتتميم النعمة عليهم ، وذلك لا تقتضي عدم ترتّب الحرج على الحكم قهراً وتبعاً وباقتضاء طبع الفعل ، أي بنحو ترتّب العاقبة لا الغاية .
نعم يدلّ على القاعدة قوله تعالى في آخر الحج : « وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » « 2 » ، وسيجيء البحث عنه إن شاء اللَّه .
هامش
( 1 ) . الفجر ( 89 ) : 28 - 30 . .
( 2 ) . الحجّ ( 22 ) : 78 . .