المعنى
قوله تعالى : « إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا . . . » . أي إذا تحرّكتم نحوها ، وهي كناية عن إرادتها ، وحيث قد علم أنّ الملاك في وجوب التوضّي تحصيل الطهارة المعنويّة التي هي الشرط للصلاة ، كما يظهر من قوله تعالى : « لِيُطَهِّرَكُمْ » ، فالأمر بالاغتسال إنّما هو بالنسبة إلى من لم يكن يتوضّأ من قبل ، فهو ساقط عن الذي حصّل الطهارة ، فكأنّه تعالى قال : « فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . . . » إن كنتم محدثين غير متوضّئين .
ويعلم من قوله : « وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا » قيد آخر للكلام ، وهو « إن لم تكونوا جنباً » ، فالمحصّل : إذا أردتم الصلاة وكنتم محدثين بغير الجنابة ، فاغسلوا ، وبهذا يعلم فساد ما يقال بأنّ الآية تدلّ على تكرار الطهارة لكلّ صلاة ولو كان متطهّراً قبل إرادة الصلاة ، « 1 » مع أنّ روايات الباب « 2 » قد أوضحت المراد من الآية .
وقوله : « وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ » . كلمة « إِلى » بيان حدّ المغسول وأنّه ليس إلى المنكب مثلًا ، فالآية ساكتة عن كيفيّة ألغسل وبيان حدّه ومبدئه ومنتهاه .
وإلى هذا البيان ذهب أغلب علماء الفريقين ، ولذا يجوزّون البدأة في الغسل من المرفق والأصابع قائلين بأنّها ليست لبيان حدّ الغسل ؛ ليستفاد منها أنّ منتهى الغسل المرفق ، مع أنّه على فرض الظهور فقد أوضحت الأخبار الصحاح كيفيّة التوضّي عندنا ، فرفعت إجمال الآية ، أو بيّنت المراد منها ولو كان على خلاف ظاهرها .
ولا دلالة في الآية أيضاً على دخول الغاية في المغيّى وعدمه ، ولذا ذهب عدّة من العلماء إلى عدم وجوب غسل المرفق ، « 3 » وقال بعضهم بالوجوب احتياطاً . « 4 »
هامش
( 1 ) . نقل عن عكرمة وغيره في التبيان ، ج 3 ، ص 488 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 282 . .
( 2 ) . راجع : البرهان ، ج 2 ، ص 255 - 262 ، ح 2969 - 2997 . .
( 3 ) . راجع : فقه القرآن ، ج 1 ، ص 15 و 16 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 283 . .
( 4 ) . راجع : منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 37 ؛ روض الجنان ، ج 2 ، ص 99 ؛ مدارك الأحكام ، ج 1 ، ص 206 . .