وقال تعالى : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ » « 1 » .
فيستفاد من ظهور وحدة المرميّ في الآيات أنّ المراد من التجانف إلى الإثم في محلّ الكلام هو كون الآكل باغياً وعادياً .
وقد فسّروا البغي والعدوان بأمور ، منها : كونه باغياً على الإمام العدل وعادياً مقدار الضرورة في الأكل . « 2 » وبالجملة فأيّ معنى أريد من العنوانين في تلك الآيات ، كان هو المقصود في المقام .
ثانيها : ظاهر الآيات أنّ الاضطرار الذي هو عنوان ثانوي طار على الموضوعات الأوّليّة - ؛ أعني معروضات الأحكام الواقعيّة - موضوع للحكم الثانوي الاضطراري ، ويعطي ظواهر الآيات أنّ ذلك الحكم هو الجواز مع أنّه لا إشكال في وجوب الأكل عند الضرورة وخوف التلف ، وقد اشتهر أنّ جواز المحرّمات يساوق وجوبها .
ويمكن أن يقال : إنّ المستفاد منها الجواز بالمعنى الأعمّ ، ولا ينافي تحقّقه في ضمن الوجوب ، مع أنّ الدالّ على الجواز إنّما هو آية البقرة فقط ، وأمّا سائر الآيات فالجزاء غير مذكور بنفسه ، والمذكور علّته القائمة مقامه ، فيمكن القول بأنّ التقدير :
« فيجب عليه الأكل » ونحوه من التعابير ، مع أنّه يمكن أن يقال : إنّ الاضطرار إن كان بنحو الحرج في الاجتناب فالأكل جائز ، وإن كان بنحو يستلزم الاجتناب تلف النفس فالأكل واجب ، ولعلّ الآية متعرّضة للأوّل .
ثالثها : ظاهر الآيات - كما أنّه ظاهر بعض الأخبار « 3 » أيضاً - أنّ الاضطرار إذا كان من الباغي والعادي ، فلا يجوز تناول المحرّمات .
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 115 . .
( 2 ) . راجع : التبيان ، ج 2 ، ص 86 ؛ مجمع البيان ، ج 1 ، ص 467 ، ذيل الآية 173 من البقرة ( 2 ) . .
( 3 ) . راجع : الكافي ، ج 3 ، ص 438 ، ح 7 ؛ الفقيه ، ج 3 ، ص 344 ، ح 4213 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 3 ، ص 218 ، ح 539 ، وج 9 ، ص 84 ، ح 354 . .