تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
يكون ذلك إكمالًا للدين بتحويله من صفه الحدوث إلى صفة البقاء ، ويؤيّده ما ورد أنّ الآية نزلت يوم غدير خمّ . « 1 » انتهى . ثمّ إنّه على هذا المعنى يكون ارتباط الفقرتين ؛ أعني قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ . . . » وقوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ . . . » من جهة كون الثانية كالتعليل للأوّليّ وقوله : « فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِى » أي لا تخشوا من غلبة الكفّار وسلبهم دينكم ؛ فإنّه لا يكون بعد هذا الزمان ، واخشوني ان أسلب هذه القدرة الحاصلة لكم ، وهذا التسلّط على الكفّار الذي منحته إليكم ، ومن المعلوم أنّ اللَّه لا يغيّر نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ، « 2 » وفي هذا المقام أيضاً افترقوا وتخالفوا وعصوا الرسول في وصيّته ، وفارقوا الوصيّ وتركوه وراء ظهورهم ، فسلب اللَّه عنهم العظمة والقدرة ، وآل أمرهم إلى ما آل إليه اليوم ، وإلى اللَّه المشتكى . وقوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ . . . » . فإنّ تعيين من يعلم حقايق الدين وأصوله وفروعه ، ويعمل به كما عمل مشرّعه الأعظم والنبيّ الأقدس ، ويجاهد في حفظه وتعليمه ونشره والقيام التامّ بحقوقه ، من أفضل مصاديق إكمال الشيء ، كما أنّ تركه على حاله وإلقائه على عاتق الناس مع ما هم عليه من أهواء مختلفة وميول وشهوات نقص وأيّ نقص وأيّ تضيّع ، فبنصب الخليفة كمال الدين ، وبه تمام هذه النعمة . ومنه يظهر معنى قوله : « وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلامَ ديناً » ؛ فإنّ الإسلام - ؛ أعني مجموع القوانين الإلهيّة المسمّى بالدين - لا يرضى اللَّه بكونه ديناً للناس إلّامقروناً بولاية إمام عادل منصوب من اللَّه تعالى ، فالقوانين العادلة تحتاج إلى إمام عادل ، وهل يصلح الاجتماع البشري إلّابهذين الأمرين ! ؟ وهل ترجو وتتمنّى وتترقّب الجوامع المترقّية البشريّة إلّاهاتين النعمتين ! ؟ وهل يطلب بُصَراء أهل الدنيا طلباً حثيثاً ، ويجاهد في تحصيله جهاداً ذات أبعاد وجهات إلّاهذين الغرضين ! ؟
هامش
( 1 ) . راجع : الميزان ، ج 5 ، ص 175 - 182 . . ( 2 ) . اقتباس من قوله تعالى : « إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ » . الرعد ( 13 ) : 11 . .