فالدين الحاصل بيد الناس لو كان مجرّداً عن حافظ عادل - فضلًا عن أن يتولّى حفظه أئمّة الجور ، كمعاوية ويزيد وهارون والمتوكّل العبّاسي ونظرائهم ممّن تقدّمهم وتأخّر عنهم - ليس ممّا يرضى اللَّه بكونه ديناً للجوامع ، ولهذا قد ورد في أخبار الفريقين عن النبيّ صلى الله عليه وآله :
« من مات ولم يعرف إمام زمانه ، مات ميتة جاهليّة » ،
« 1 » فالآخذ لدين الإسلام والعامل به لو لم يعرف من تسلّمه من اللَّه وقبل حفظه ونشره - ؛ أعني الإمام العدل - غير مرضيّ عند اللَّه ، ولا يسمن ولا يغني من جوع .
ثمّ إنّ البحث عن مسألة الخلافة الإسلاميّة ولزوم نصب الإمام من اللَّه للناس بحث كلاميّ طويل الذيل ، قد الّفت في تنقيحها كتب كثيرة من علماء الفريقين ، وهي المسألة التي صارت معركة الآراء والعقائد ، وليس يناسب المقام منه إلّاما يقرب ممّا ذكرناه .
الثامن : قوله : « فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .
المخمصة : مصدر بمعنى خلوّ البطن عن الطعام وضِماره « 2 » . والمتجانف : المتمايل إلى الباطل ، فالمراد : من دعته الضرورة إلى تناول شيء منها في حال الجوع مع عدم تمايله إلى الإثم ، فإنّ اللَّه غفور رحيم .
وهنا أبحاث :
أوّلها : أنّ الآية تشاركها في الحكم المستفاد منها آيات ثلاثة :
قال تعالى : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » « 3 » .
وقال تعالى : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ » « 4 » .
هامش
( 1 ) . رويت فقرته الأولى بألفاظ مختلفة . راجع : الكافي ، ج 1 ، ص 372 ، ح 5 ، وص 376 و 377 ، ح 1 - 3 ، وص 397 ، ح 1 ، وج 2 ، ص 20 و 21 ، ح 6 و 9 ؛ ثواب الأعمال ، ص 205 ؛ تلخيص الشافي ، ج 4 ، ص 132 ؛ مسند أحمد ، ج 3 ، ص 446 ، وج 4 ، ص 96 ؛ صحيح مسلم ، ج 6 ، ص 22 ؛ صحيح ابن حبّان ، ج 10 ، ص 434 و 435 ؛ شرح المقاصد ، ج 5 ، ص 239 ؛ شرح العقائد النسفيّة للتفتازاني ، ص 97 ؛ مجمع الزوائد للهيثمي ، ج 5 ، ص 218 . .
( 2 ) . في اللغة : الضمر بالضمّ وبالضمّتين : الهُزال ، ولحاق البطن . والضِمار : مكان ، أو واد مُنخفِض يُضْمِرُ - أي يغيّب - السائر فيه . راجع : تاج العروس ، ج 7 ، ص 130 و 132 ( ضمر ) . .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 173 . .
( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 145 . .