الكلمات والأقوال ، أو المراد الأوصاف التي تتّصف بها النفس ، فسألوا عمّا ينبغي ويحلّ الاتّصاف به ، وعمّا لا يحلّ وينبغي إزالته ، أو المراد العقائد والأفعال الجوانحيّة ممّا يحلّ الإذعان به ، وينبغي عقد القلب عليه ، أو المراد جميع ذلك .
وعلى أيّ تقدير ، فالجواب ناظر إلى ما طاب من ذلك لدى العقلاء والطبع ولا يستقذرانه ، فظهر أنّه لكلّ شيء من الأعيان الخارجيّة والأفعال والأقوال والصفات والعقائد طيّباً لدى العقل وطبع الإنسان السليم طبعه ، وخبيثاً يستقذره ويتنفّر عنه ، فالطيّب منه حلال ، والخبيث غير حلال .
فظهر أنّ المراد بالطيّب هو ما كان كذلك عند العقل والطبع ، لا الطيّب الشرعيّ ، وهو ما أحلّه اللَّه وأباحه ؛ فإنّ الآية مسوقة لبيان الحكم الشرعي وترتيبه على الموضوعات القابلة له ، فلا يؤخذ الحكم في موضوعه ؛ فإنّه يرجع إلى قوله :
« أحلّ لكم ما أحلّ لكم » ،
وهو غير جائز .
ثمّ إنّ هذه الجملة تعطي قاعدة كلّيّة عامّة بالنسبة [ إلى ] المأكول والملبوس وغيرهما ممّا يكون مورداً لانتفاع الإنسان من الأعيان ، وتحكم بالحلّيّة والإباحة ، فكلّ شيء من أجزاء هذا العالم يستلذّ منه الحواسّ الخمس بالاستماع والنظر والذوق والشمّ واللمس فهو حلال ، والانتفاع به جائز مباح ، فيكون ما دلّ على تحريم بعض المسموعات والمبصرات وغيرها مخصّصة للآية الشريفة .
وكذلك يستفاد منها قاعدة كلية لحلّيّة الأفعال الصادرة من الإنسان وأخلاقه ومعتقداته .
إن قلت : ظاهر لفظ « الطيّب » هو المطعوم من المأكول والمشروب ، فتعميمه للأفعال والأخلاق والعقائد خلاف الظاهر ، خصوصاً مع ملاحظة ما يذكر بعده من الصيد وطعام أهل الكتاب ونحوه .
قلت : اطلق « الطيّب » في الكتاب الكريم على أمور كثيرة ، كالمرأة في قوله : « فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ » ، « 1 » وعلى المؤمن والمال والبلد والقول والكلام
و
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 3 . .