تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
إرشاديّة ؛ لعدم العلم بملاكاتها وحكمها ، إلّا أنّ من المعلوم رجوع جميع مصالحها الكامنة إلى العبد ، فهي في الحقيقة كالأومر الارشاديّة نظير أوامر الطيبب ، فلا استحقاق فيها للأجر والثواب الأخروي ، ونظيرها المستحبّات والمكروهات . نعم الواجبات الراجع نفعها إلى غير المأمور - ، كالإنفاق والقضاء وإنقاذ الغريق ونحوها - يمكن القول بالاستحقاق فيها ، إلّاأنّ الآية غير مختصّة بها . ويمكن أن يقال : إنّ هذا بالنسبة إلى نفس الأوامر والنواهي الساذجة المتوجّهة إلى المكلّفين بلا تعرّض فيها لذكر الأجر وكيفيّته . وأمّا مع ملاحظة قوله تعالى : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلّا مِثْلَها » « 1 » ، فلابدّ من القول بالاستحقاق بعد العمل ؛ إذ المورد حينئذٍ نظير الجعالة في الفقه ، كقوله : « من ردّ فرسي فله كذا » ، مع أنّ قوله : « فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها » يدلّ على وجود المثل له أوّلًا وبالذات ، وإعطاء الأمثال العشرة ازدياد في مقام الامتنان ، ولا معنى حينئذ لأصل إلّااقتضاء الاستحقاق ، كما أنّ جزاء السيّئة أيضاً بالمثل استحقاقي . وقوله : « وَيَزيدُهُمْ . . . » . إمّا إشارة إلى التسعة المعهودة الزائدة على المثل ، أو هو داخل في التوفية ، والفضل أمر غيرها . قوله : « قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ . . . » . البرهان بيان الحجّة ، من « برهن على الشيء » ، إذا أقام الحجّة عليه ، « 2 » والمراد به النبيّ الأعظم ؛ حيث إنّه بوجوده ومعجزاته [ و ] دعوته مثبت للحقائق الاصوليّة والفروعيّة وغيرها . والنور القرآن ؛ لأنّه به ينكشف الطرق الحقّة المستقيمة في جميع مراحلها الاعتقاديّة والأخلاقيّة والعمليّة عن الطرق الباطلة المنحرفة . وقوله : « مُبِيناً » وصف للقرآن ؛ لظهور كونه كلاماً صادقاً وكتاباً منزلًا من عند اللَّه من حيث ألفاظه ومبانيه وبلاغته في أداء معانيه وإخباراته وإنشاءاته وسائر أبعاده المختلفة .
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 160 . . ( 2 ) . راجع : لسان العرب ، ج 13 ، ص 51 ( برهن ) . .