وقوله : « وَرُوحٌ مِنْهُ . . . » . الروح والريح متقاربان في المعنى ، فالمراد أنّ عيسى مخلوق بنفحة من اللَّه ، أو المراد أنّه سبب حياة تابعيه من الأناسي ، فهو كأنّه روح لجامعته الإنسانيّة .
قوله : « وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ . . . » . المنقول عنهم في هذا الباب أمور مختلفة ، فقد يقال : إنّ معتقدهم على اختلاف مذاهبهم أنّ الإله واحد في أقانيم « 1 » ثلاثة : الأب والامّ والروح القدس ، والمسيح هو الابن ، ثمّ اختلفوا في الابن هل هو ذو طبيعة واحدة لاهوتيّة وناسوتيّة ، أم هو ذو طبيعة لاهوتيّة فقط ؟ وهل هو قديم كالأب ، أو مخلوق ؟ « 2 » وغير ذلك من تُرَّهاتهم . « 3 » وقوله : « انْتَهُوا . . . » . أي انتهوا وكفّوا عن القول بالتثليث ، وخذوا خيراً لكم ، وهو التوحيد .
قوله « سُبْحَانَهُ » . أي نزّهوه تنزيهاً من وجود الولد له ، كيف وله جميع ما في السماوات والأرض ومن جملته عيسى عليه السلام ؟ ! فهو مملوك ومخلوق له كسائر مخلوقاته ، متّصف بصفات الممكن من حدوثه وتحيّزه واحتياجه وعجزه وزواله وفنائه ، فكيف يكون ولداً للواجب المنزّه عن جميع تلك النقائص وغيرها ؟ ! فإنّ الولديّة لا تكون إلّاباشتراكهما في الأوصاف الجلاليّة والجماليّة .
ويحتمل كون المراد أنّ اللَّه لمّا كان مالكاً لجميع الموجودات ، خالقاً لها ، مدبّراً لأمرها ، فهو غنيّ عن جميع الأشياء مع فقرها إليه ، فلا حاجة له إلى اتّخاذ الولد مع قطع النظر عن عدم إمكانه عقلًا .
هامش
( 1 ) . قال الجوهري : « الأقانيم » : الأصول ، واحدها : أقنوم ، وأحسبها روميّة » . الصحاح ، ج 5 ، ص 2016 ( قنم ) . .
( 2 ) . للتعرّف لأقوالهم واستيفاء البحث في المسألة راجع : شرح المقاصد ، ج 4 ، ص 57 - 59 ؛ التحرير والتنوير ، ج 4 ، ص 332 - 336 ؛ الميزان ، ج 10 ، ص 219 - 229 ، ذيل الآية 171 من سورة النساء ( 4 ) . .
( 3 ) . التَرَّهات ، بفتح التاء وضمّ الراء المشدّدة وضمّها ، واحدتها : تُرَّهة بضمّ التاء وفتح الراء المشدّدة ، وهي الأباطيل ، والبواطل من الأمور ، وهي في الأصل الطرق الصغار المتشعّبة عن الطريق الأعظم . راجع : لسان العرب ، ج 13 ، ص 480 ( تره ) . .