المعنى
قد عدّ اللَّه تعالى في هذه الآيات للمنافق أوصافاً كثيرة ، وهي مع الوصف السابق في الآية السابقة - ؛ أعني كونه متربّصاً لحال المسلمين ، فتارة يطلب الغنم من هؤلاء ، وأخرى من هؤلاء - تبلغ عشرة أوصاف .
فالوصف الثاني : قوله تعالى : « يُخادِعُونَ اللَّهَ » ، أي يخادعون نبيّه وأولياءه ، وذلك كمخادعة اللَّه تعالى ، كقوله : « إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّه » . « 1 » والخدعة أمر مذموم جدّاً ، خاصّة إذا كانت مع أولياء اللَّه ، ففي الكلام تلويح بفَضاعة أمرهم أوّلًا ، وبعظمة الرسول والمؤمنين ثانياً ، فكان خدعتهم خدعة اللَّه تعالى .
والوصف الثالث : قوله تعالى : « وَهُوَ خادِعُهُمْ » ؛ فإنّ خدعتهم عبارة عن ضِغْث « 2 » من أقوالهم الكاذبة وأفعالهم الباطلة ، وكلّها ذات وبال عليهم وإثم وعقاب ، فتركهم اللَّه وما عملوا حتّى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ، وهذا الترك نوع من الخدعة المحلّلة التي تصدر من الحكيم ، ولا قبح في ذلك .
والوصف الرابع : قوله تعالى : « وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى » ، وهذا من لوازم عمل المنافق ؛ فإنّه ينشط في العبادة إذا رآه الناس عليها ، ويكسل إذا كان وحده .
والوصف الخامس : قوله تعالى : « وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلّا قَليلًا » ، والذكر القليل هو الذكر الظاهري الذي يأتونه بمرأى من الناس ، أو الذي قد يحصل لهم في الخلوة بمقتضى عقولهم ؛ فإنّ الإنسان لا مناص له من التوجّه أحياناً إلى معبوده وأنّه يخالف أمره ، أو يوافقه ، ولا إشكال في كونه ذكراً قليلًا لا ينفعهم إلّالإتمام الحجّة عليهم .
والوصف السادس : قوله تعالى : « مُذَبْذَبينَ بَيْنَ ذلِكَ » ، أي متردّدين بين الإيمان
و
هامش
( 1 ) . الفتح ( 48 ) : 10 . .
( 2 ) . الضِغْث من الخبر والأمر : ما كان مختلطاً لا حقيقة له . والضِغْث : قبضه من قُضْبان مختلفة ، يجمعها أصل واحد ، مثل : الأَسَل ، والكُرّاث ، والثُمام . لسان العرب ، ج 2 ، ص 164 ( ضغث ) . .