معكم - ، أي في الدين ، أو في الحرب - ؛ لينالوا نصيباً من الغنيمة ، أو حصّة من الفوائد الواصلة إليهم ، كخراج الأراضي ونحوه ؟
وإن كانت الغلبة للكفّار قالوا : ألم نستحوذ عليكم ، أي ألم نغلبكم في الكلام والبحث ، وألم نمنعكم من الدخول في زمرة المؤمنين والإيمان بما آمنوا به ؛ ليأمنوا بذلك من إيذائهم ، أو يستغنموا ممّا غنموا من المسلمين ؟
ثمّ إنّ في التعبير عن غلبة المسلمين بالفتح من اللَّه وعن غلبة الكفّار بالنصيب إشعاراً أوّلًا بحسن الأمر الأوّل وفضله وأنّه ينبغي أن يسمّى فتحاً ، وخسّة الثاني وأنّه نصيب وشيء قليل ، وثانياً بأنّ الأمر في الأوّل مستند إلى اللَّه تعالى ؛ إذ هو بتأييده ورضاه وأمره ، والثاني ليس كذلك ؛ إذ هو منهيّ عنه من عنده ومبغوض وإن كان له تعالى تأييد تكويني في حصوله ، كما في سائر المعاصي .
والخطاب في قوله : « يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ » للمسلمين والمنافقين جميعاً ، فاللَّه يفصل بينهم يوم القيامة ، كما قال : « وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ » « 1 » ، « فَريقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَريقٌ فِي السَّعيرِ » « 2 » .
وقوله : « وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ . . . » . نفي تأبيديّ لجعل السبيل والغلبة للكافر على المؤمن ، وظاهره يقتضي كونه عامّاً للدنيا والآخرة ومن حيث الحجّة والبرهان ومن حيث الغلبة الظاهريّة في الحروب وغيرها ، إلّاأنّه لا إشكال في تحقّق غلبة الكافر على المؤمن في بعض الأحيان ، كما في غزوة أحد ويوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً ، « 3 » وكما في وقعة الطفّ والفخّ وغيرها ، وكما في موارد قتل الكافر المؤمن ونظائره .
فلابدّ من حمل الآية على نفي السبيل يوم القيامة ، كما يشهد له ما قبل هذه الجملة ،
هامش
( 1 ) . يس ( 36 ) : 59 . .
( 2 ) . الشورى ( 42 ) : 7 . .
( 3 ) . اقتباس من قوله تعالى : « لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْشَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ اْلأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ » . التوبة ( 9 ) : 25 . .