تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
ويدلّ على الحكم في الجملة قوله تعالى : « قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَآءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَلئهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَه‌ُو » « 1 » . وخامسها : وجوب حجّه على الناس ؛ قال تعالى : « وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا » « 2 » . والحجّ بالكسر والفتح بمعنى واحد ، وهو القصد كما في المفردات ، « 3 » وقد صار عند الشارع والمتشرّعة حقيقة في القصد الخاصّ ، وهو قصد بيت اللَّه وما يتعلّق بذلك على النحو المعيّن ، وقد يطلق على نفس الأعمال المخصوصة . وعلى الأوّل قد تعلّق حقّ اللَّه تعالى بالأمر القلبي المؤثّر في العمل ، وعلى الثاني بنفس العمل الخارجي . ثمّ إنّ الكلام هل هو إنشاء للحقّ ولتعلّقه بالحجّ ، كقول الناذر مثلًا : للَّه‌عليّ أن أصوم غداً ، أو إخبار عن الحقّ المتعلّق به في ما قبل ؟ وعلى الإخبار فهل هو حكاية عن ثبوت ذلك في اللوح المحفوظ ، أو عن ثبوته بتشريع « 4 » إبراهيم الخليل عليه السلام ، ثمّ من بعده من الأنبياء ؟ الظاهر كونه إخباراً إلّاأنّا لم نعلم زمان حدوث المحكيّ عنه ، ولازم تعلّق الحقّ هنا هو الوجوب . وقال تعالى : « وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَمِيقٍ » « 5 » . الرجال : جمع راجل ، أي الماشي ، والضامر : البعير المهزول ، ويأتين جمع محمول على المعنى ، فكأنّه قيل : ضامرات ، والفجّ : الطريق ، والعميق : البعيد ، والخطاب إمّا لإبراهيم الخليل عليه السلام نظراً إلى ملاحظة ما قبل الآية : « وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَ هِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيًا وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطّائِفينَ وَالْقَآلمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذّن فِى النَّاسِ » . « 6 » فتدلّ الآية حينئذ على أنّ إيجاب الحجّ للناس كان في شريعة إبراهيم وبلسانه ، ولم يكن قبله ، وما ينقل من حجّ آدم وزيارته مكان البيت لعلّه كان حكماً خاصّاً له ، لا
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 144 . . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 97 . . ( 3 ) . قال الراغب : « أصل الحجّ : القصد للزيارة . . . خصّ في تعاريف الشرع بقصد بيت اللَّه تعالى إقامة للنسك ، فقيل : الحَجّ والحِجّ ، فالحَجّ مصدر ، والحِجّ اسم » . المفردات ، ص 107 ( حجج ) . . ( 4 ) . في الأصل : « بتشريح » ، والصحيح : « بتشريع » . . ( 5 ) . الحجّ ( 22 ) : 27 . . ( 6 ) . الحجّ ( 22 ) : 26 و 27 . .