الحادي عشر : كفر من ترك حجّه .
ثمّ ليعلم - قبل التعرّض لبيانها - أنّه قد يقال : إنّ الآية مسوقة لردّ ما ادّعاه اليهود من أنّ أوّل بيت موضوع لعبادة الناس هو المسجد الأقصى ، « 1 » ولم يبيّن القائل وجه الاستدلال إلّاأنّه واضح ؛ فإنّ بناء بيت المقدّس بيد سليمان النبيّ قبل الميلاد بما يقرب من ألف وخمس سنين ، وأمّا البيت الشريف فهو بناء إبراهيم الخليل بما يقرب من ألفين قبل الميلاد ، فالبيت الحرام أقدم بناء من بيت المقدّس .
وأمّا الأحكام المزبورة :
فأوّلها : أنّ البيت الشريف أوّل بيت وضع للناس بمعنى أنّه أوّل بناء بني لكونه محلًاّ لعبادة اللَّه ، كمساجدنا بالفعل ، أو يتوجّه الناس في عباداتهم نحوه ، أو لكلا الغرضين ، ولم يكن إلى ذلك الزمان محلّ خاصّ للعبادة .
ويقرب من الآية مضموناً قوله تعالى : « وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ » « 2 » ، أي وضعناه وبنيناه لهم حال كونه يستوي فيه المتوطّن حوله والوارد إليه من أمكنة بعيدة في استحقاقهم العبادة فيه ، لا أحد أحقّ به من آخر ، وقوله تعالى : « وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَ هِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّاتُشْرِكْ بِى شَيًا وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآلفِينَ وَالْقَآلمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » « 3 » ، والتبوّؤ : التهيّؤ والإعداد وتعيين الموضع ، وقوله : « أَن لَّاتُشْرِكْ » ، أي أوحينا إليه ألّا تشرك وطهّر إلى آخره .
فالآية ممّا يدلّ على كون البناء بيد إبراهيم الخليل ، والآمر به هو اللَّه ، والمهندس لبنائه جبرئيل الأمين ، كما في بعض الروايات ، « 4 » والبنّاء إبراهيم الخليل ، والعامل تحت يده ابنه إسماعيل ، ويكفي هذا في طهارة البيت واتّصافه بما يذكر القرآن في حقّه من
هامش
( 1 ) . قاله الفخر في مفاتيح الغيب ، ج 8 ، ص 295 ، وأبو حيّان في البحر المحيط ، ج 2 ، ص 267 . .
( 2 ) . الحجّ ( 22 ) : 25 . .
( 3 ) . الحجّ ( 22 ) : 26 . .
( 4 ) . راجع : الكافي ، ج 4 ، ص 202 - 206 ، باب حجّ إبراهيم وإسماعيل وبنائهما البيت ومن ولي البيتبعدهما عليهم السلام ، ح 1 و 3 و 4 و 6 ؛ علل الشرائع ، ج 2 ، ص 587 و 588 ، الباب 385 ، ح 32 . .