تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
وثالثاً على إلفات النظر إلى أنّ اليهود كانوا قائلين ببطلان النسخ ، سواء أكان نسخ الحكم في الشريعة ، أو نسخ نفس الشريعة ، ولازم ذلك بقاء الأحكام التي كانت في دين إبراهيم إلى زمان موسى وتصديق موسى جميعها . ورابعاً على العلم بأنّ يعقوب النبيّ كان قد حرّم على نفسه بعض ما يشتهيه من الأطعمة زهادة عن الدنيا وقربة إلى ربّه ، ويقال : إنّه كان لحم الإبل ، أو لحم الجزور ، أو الكبد والكليتين ، أو الشحوم . وبعد ملاحظة ما ذكرنا يعلم توجّه إشكالين إلى اليهود : الأوّل : أنّهم كانوا من قبل أهل الظلم والطغيان والإثم والعصيان ، حتّى أنّه حرّم اللَّه عليهم بذلك شيئاً كثيراً من الطيّبات المحلّلة لغيرهم . الثاني : بطلان قولهم بالنسخ ؛ فإنّ تحريم الطيّبات عليهم عبارة عن نسخ حلّيّتها الثابتة في دين إبراهيم . ثمّ إنّهم احتالوا في ردّ الإشكالين وتوجيه ما هم عليه بإنكار كون حرمة تلك الأشياء حادثة بنزول التوراة ولسان موسى الكليم ، بل التحريم كان ثابتاً في دين إبراهيم وشريعته ، بل وفي الشرايع السابقة أيضاً ، فهو حكم ثابت إلهي غير منسوخ ، فاندفع بذلك كلا الإشكالين ، بل توجّه إشكال إلى النبيّ الأعظم والمسلمين بأنّهم مع تصديقهم ملّة إبراهيم وشرعه ، قد اجترؤوا على تناول تلك الأطعمة ، فهم مخالفون لما اعترفوا وأقرّوا به من حكم اللَّه الثابت في الشريعتين . إذا عرفت ما ذكرنا يظهر لك المراد حينئذ من آيتنا المبحوث عنها وأنّ الغرض منها إبطال ما ادّعته اليهود من حرمة الأشياء المذكورة قبل نزول التوراة وفي شريعة إبراهيم دعوى بنوا عليها اموراً هامّة ، فمعنى الآية الشريفة أنّ جميع الأطعمة كانت محلّلة على بني إسرائيل قبل نزول التوراة حلّيّة ثابتة في شريعة إبراهيم ، باقية إلى زمان نزول التوراة سوى ما حرّمه يعقوب النبيّ لنفسه حرمة إنشائية حاصلة بنذر أو عهد ، أو حرمة عمليّة بمعنى عزمه على ترك شيء ممّا يحبّه من المآكل - كما اتّفق نظيره لنبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله حيث قال تعالى : « يأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ
تفسير مبسوط — صفحة 404 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى