تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
أَزْوَ جِكَ » « 1 » ، فقد ورد في تفسير الآية أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد عزم أن لا يأكل العسل ، أو لا يقارب مارية القبطية - ، ثمّ حرّمها اللَّه في التوراة على لسان موسى . وحينئذ فإذا لوحظ نفس تبدّل الحلّيّة إلى الحرمة ، ثبت وجود النسخ في الأحكام وبطل دعوى بطلانه ، وإذا لوحظ علّة ذلك النسخ وأنّها كانت هي ما ذكر في آية النساء ، ثبت أنّ اليهود كانت امّة ظالمة طاغية مجزية بسيئ أعمالها في الدنيا قبل الآخرة . ثمّ إنّ مقتضى ظهور الآية أنّ الحلّيّة السابقة ، ثمّ تبدّلها إلى الحرمة ثابتة في التوراة مكتوبة فيها ، ولذلك قد أمروا بالإتيان بالتوراة وتلاوتها ، ولازم ذلك أنّهم إن أتوا بها وتلوها انكشف بطلان دعواهم وافتضحوا ، وإن لم يأتوا بها مع هذه الدعوة الصريحة ، انكشف كذبهم على اللَّه وافتراؤهم في دعوى سبق التحريم وعدم عروض التغيّر والنسخ ، ولذلك قال : « فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ » إلى آخره ، أي هم الظالمون لموسى وللتوراة ولُامّة اليهود ولأنفسهم ، وفي هذا تنبيه على أنّ كلّ من كتم أمراً ثابتاً وحقيقة راهنة ينبغي إظهارها ، فهو ممّن ظلم نفسه وامّته واتّباعه وظلم تلك الحقيقة . وقوله تعالى : « قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَ هِيمَ حَنيفاً » . الملّة هنا بمعنى الدين والشريعة ، والحنيف : المائل إلى الحقّ والثابت عليه ، والظاهر أنّ الغرض من سوق الآية أنّه لمّا ثبت أنّ النبيّ أخبر عمّا في التوراة بنحو الإعجاز وأنّ اللَّه صادق في ما أمر نبيّه بإبلاغه ، لزمهم اتّباع دين الإسلام ، وهو في الحقيقة عبارة عن اتّباع ملّة إبراهيم ، وإبراهيم هو النبيّ الحنيف في أبعاده المختلفة ، أي في عقائده وملكاته وأعماله . وقوله : « وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكينَ » ، أي ليس هو يهوديّاً ولا نصرانيّاً ؛ ليكون من المشركين ، كما أشير إليه في قوله تعالى : « مَا كَانَ إِبْرَ هِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا » « 2 » إلى آخره ؛ فإنّه لو كان كذلك - مع ما هو عليه من اعتقاد ببنوّة عزير وعيسى للَّه‌تعالى - لزم كونه مشركاً .
هامش
( 1 ) . التحريم ( 66 ) : 1 . . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 67 . .