تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
اولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » . « 1 » فقد عدّ في هذه الآية البرّ أمراً مركباً من الإيمان بالمبدأ والمعاد وما بينهما من الأمور الثلاثة ومن العمل ، وهو الإنفاق المستحبّ والصلاة والزكاة الواجبة ، ومن الخلق والملكة الفاضلة ، وهو صفة الوفاء والصبر ، وقد أشير في آخر الآية أنّ تحقّق تلك الأمور هو الصدق المطلوب من العبد ، وهو التقوى المحثوث عليها من جانب اللَّه تعالى . وقوله تعالى : « مِمَّا تُحِبُّونَ » ، الموصول فيه عامّ شامل للأموال والأولاد والجاه والبدن والدم ، وإنفاق كلّ منها بحسب حاله ، فحاصل معنى الآية الأولى أنّ نيل البرّ بجوانبه وأبعاده لا يتسنّى « 2 » لأحد إلّاببذل ما يملكه ويتسلّط عليه من الأموال وغيرها حتّى المهجة . « 3 » وقوله تعالى : « وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ » إلى آخره ، بيان لعلمه الأزلي ، وتعلّقه بالإنفاق عبارة عن كمّه وكيفه وعلّته وآثاره الدنيوية وجزائه في الآخرة ، والتعبير بكلمة « عليم » لبيان أنّ علمه غير مقيّد بزمان دون زمان . قوله تعالى : « كُلُّ الطَّعَامِ » إلى آخره . الطعام : كلّ ما يطعم ويؤكل ، وقد يستعمل بمعنى البرّ ، والظاهر أنّه كان لغة أهل الحجاز ، « 4 » والحلّ : الحلال المرخّص فيه ، وإسرائيل : اسم يعقوب النبيّ ، قيل : سمّي به ؛ لأنّه كان مجاهداً في اللَّه مظفّراً به ، وعند أهل‌التوراة معناه الغالب على اللَّه ، الظافر به ؛ لأنّه قد صارع اللَّه في ليلة إلى الصباح وظفر عليه ، راجع سفر التكوين من التوراة ، الباب 32 ، العدد 24 . « 5 » ثمّ الآيات الثلاث ، وهي قوله : « كُلُّ الطَّعَامِ » إلى قوله : « مِنَ الْمُشْرِكِينَ » ناظرة إلى ردّ اليهود في أمر اعترضوا فيه على النبيّ والمسلمين ، وفي أمر ادّعوه لتصحيح
هامش
( 1 ) . سورة البقرة ( 2 ) : 177 . . ( 2 ) . « لا يتسنّى » ، أي لا يتسهّل ولا يتيسّر ولا يتأتّى ، يقال : تسنّى لي كذا ، أي تيسّر وتأتّى . راجع : لسان العرب ، ج 14 ، ص 404 ( سنا ) . . ( 3 ) . المُهْجَة : النفس ، والدم ، أو دم القلب ، ولا بقاء للنفس بعد ما تراق مهجتها . لسان العرب ، ج 2 ، ص 370 ( مهج ) . . ( 4 ) . راجع : لسان العرب ، ج 12 ، ص 364 ( طعم ) . . ( 5 ) . راجع : الكتاب المقدّس ( العهد القديم ) ، ص 34 ، الأصحاح 32 ، الرقم 24 - 30 . .