مزعمتهم في بطلان نسخ الأحكام وعدم إمكانه وقوعاً .
وتوضيح ذلك يتوقّف أوّلًا على ملاحظة قوله تعالى في الآية 146 في سورة الأنعام وهي قوله تعالى : « وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَ لِكَ جَزَيْنهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصدِقُونَ » ، تدلّ هذه الآية على أنّ اللَّه حرّم على اليهود كلّ ذي ظفر من الحيوان ، وهو يشتمل الطيور كلّها حتّى المحلّلة لنا ، وكذا الوحوش المحلّلة ، كالظبي « 1 » والغزال والتيس « 2 » والجوذر « 3 » ونحوها ، ويشتمل الإبل .
وقوله : « وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ » إلى آخره ، معناه : لم نحرّم هذين النوعين من بين ذي الظفر مطلقاً ، بل شحومهما ، ولم نحرّم ذلك أيضاً مطلقاً ، بل الشحوم القابلة للانفكاك عن اللحم بسهولة ، كشحم الالية ، وما يكون في جوف الحيوان سوى ما حملته الظهور مختلطاً باللحوم وما حملته الحوايا أي الأمعاء محاطة به وسوى المختلط بالعظام .
وثانياً على ملاحظة قوله تعالى في سورة النساء ( 4 ) ، الآية 160 و 161 : « فَبِظُلْمٍمّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُالرّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَ لَ النَّاسِ بِالْبطِلِ » ، وهذه الآية « 4 » تدلّ أوّلًا على كون ما حرّمه اللَّه عليهم هو من الطيّبات التي ينبغي أن يكون حلالًا للناس ، وثانياً على أنّها كانت محلّلة لهم في ما قبل التحريم ، فطرأ عليها التحريم ؛ لأجل ظلمهم أنفسهم وأنبياءهم ، ولما ذكر في الآية من الأمور الثلاثة فقد وافقت هذه الآية قوله تعالى في ذيل سابقتها : « ذَ لِكَ جَزَيْنهُم بِبَغْيِهِمْ » .
هامش
( 1 ) . الظَبْي : الغزال ، وذلك اسمه إذا أثنى ؛ لأنّ الظبي لا يزيد على الإثناء ، أي لا يزال ثنيّاً حتّى يموت . راجع : لسانالعرب ، ج 15 ، ص 23 ؛ تاج العروس ، ج 19 ، ص 649 ( ظبي ) . .
( 2 ) . التَيْس : الذكر من المعز . لسان العرب ، ج 6 ، ص 33 ( تيس ) . .
( 3 ) . الجُوذَر والجُؤْذُر ، وفيه لغات اخر : ولد البقرة . وقال الجوهري : « ولد البقرة الوحشيّة » . راجع : الصحاح ، ج 2 ، ص 610 ( جأذر ) ؛ تاج العروس ، ج 6 ، ص 177 ( جذر ) . .
( 4 ) . أي الآية 160 . .