« وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضعَفْ لَهُ الْعَذَابُ » « 1 » .
فمقتضى الجمع بينها وبين أدلّة قبول التوبة ، أو وقوع الشفاعة القول بكون تلك الأدلّة مقيّدة ، أو مخصّصة ، أو حاكمة على هذه الآيات ، ومآله القول بكون مؤدّى هذه الآيات بنحو الاقتضاء الناقص لا العلّية ، وهاهنا أمر ينبغي التنبيه عليه ، وهو أن الكفّار ينقسمون إلى طوائف : فمنهم من كفر على علم باللَّه وبدينه عناداً وتعصّباً ، ومنهم من كفر عن جهل تقصيريّ لا عذر له فيه ، ومنهم من هو معذور في كفره « 2 » ، داخل تحت عنوان المستضعف .
والظاهر شمول الأدلّة الدالّة على حرمان الكافر من عمله في الآخرة للطائفتين الأوّلتين وانصرافها عن الأخيرة بقرينة ورود التوعيد بالعذاب والنار في بعض تلك الآيات ؛ إذ لا إشكال في عدم تعذيب القاصرين ، سواء أكانوا قاصرين في الأصول ، أم في الفروع ، كما قال تعالى : « وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » « 3 » وقوله تعالى : « لَايُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَلئهَا » « 4 » أي أعلمها ، وحينئذ فتبقى أعمالهم تحت الأدلّة العامّة الدالّة على ترتّب الجزاء والمثوبة لكلّ عمل صالح ، كما أنّ الأدلّة الدالّة على إشراط تقارن الإيمان بالعمل ناظرة إلى إثبات الجزاء للعمل المقارن للإيمان ، لا نفيه عن غيره ، فلا مفهوم لها ، فيبقى مورد الفرض خارجاً عن شمولها داخلًا تحت إطلاق آيات الجزاء .
ثمّ إنّه بعد ملاحظة نعم اللَّه السابغة في الدنيا وشمولها للبرّ والفاجر والمؤمن والكافر ، نعماً لا يقدر القادرون قدرها ويعجز العادّون عن إحصائها ، يسهل القول بحرمان الكافر الذي فرض صدور الأعمال منه في الآخرة ؛ فإنّ ما أنعم اللَّه عليهمن النعم - ومنها القوى المبذولة له في الإتيان بنفس تلك الأعمال - يفوق ما عمله أضعافاً مضاعفة .
هامش
( 1 ) . الفرقان ( 25 ) : 68 و 69 . .
( 2 ) . في الأصل : « كفر » ، والصحيح ما أثبتناه . .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 15 . .
( 4 ) . الطلاق ( 65 ) : 7 . .