قلت : بعض هذه الآيات يدلّ على أنّ العامل يرى عمله ، أي يطّلع ويقف عليه ، ولا تعرّض فيه للجزاء ، فيكون مدلوله نظير قوله تعالى : « مَا لِهذَا الْكِتبِ لَايُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَلئهَا » « 1 » وبعضها الآخر وإن كان يدلّ على المجازاة ، فكلّ عمل صالح له جزاء وثواب ، وكلّ عمل سَيّئ له عقاب ، إلّاأنّ نسبة هذه الطائفة إلى ما ذكر من أدلّة اشتراط الإيمان وأدلّة الحبط نسبة المطلق إلى المقيّد والعامّ إلى الخاصّ ، أو المحكوم إلى الحاكم ، فينتج الجمع بينها أنّ كلّ عمل صالح له جزاء إذا قارن صدوره الإيمان ، ولم يحصل ما يكون سبباً لحبطه من الكفر والشرك ، هذا مقتضى العمل بالأدلّة في مرحلة الإثبات .
وأمّا مرحلة الثبوت فيكون النتيجة القول بكون تأثير الخيرات والصالحات في المثوبة بنحو الاقتضاء والعلّيّة الناقصة المحتاجة في فعلية الأثر إلى تحقّق الشرائط وفقد الموانع ، فإذ لا إيمان حين العمل فلا شرط ، وإذا ارتدّ بعد الإيمان ومات عليه فقد وجد المانع أو الرفع ، فلا مسبّب .
وهذا نظير ما يقال في عكس المسألة ، وهو مقايسة إطلاقات أدلّة السيّئات ، أو عموماتها المقتضية لتأثيرها في العقوبة بنحو العلّية التامّة ، كقوله :
« فَأَمَّا مَن طَغَى وَءَاثَرَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى » « 2 » ؛
« وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُو وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُو يُدْخِلْهُ نَارًا » « 3 » ؛
« وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَآؤُهُو جَهَنَّمُ خلِدًا فِيهَا » « 4 » ؛
« الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَواْ لَايَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » « 5 » .
« وَمَنْ عَادَ فَأُوْلئكَ أَصْحبُ النَّارِ » « 6 » ؛ « إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَ لَ الْيَتمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا » « 7 » ؛
هامش
( 1 ) . الكهف ( 18 ) : 49 .
( 2 ) . النازعات ( 79 ) : 37 - 39 .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 14 .
( 4 ) . النساء ( 4 ) : 93 .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 275 .
( 6 ) . البقرة ( 2 ) : 275 .
( 7 ) . النساء ( 4 ) : 10 .