تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
تُرَابٌ فَأَصَابَه‌ُو وَابِلٌ فَتَرَكَه‌ُو صَلْدًا لَّايَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مّمَّا كَسَبُواْ » « 1 » . « مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هذِهِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْأَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » « 2 » . فالمشبّة في الآيات الأربع أعمالهم الحسنة ، وفي الآية 40 من النور أعمالهم السيّئة ، فشبّه اللَّه في سورة إبراهيم أعمالهم بالرماد الواقع في مهبّ الريح العاصف ، فلا يبقى من ذلك [ شيء ] « 3 » ، فالنتيجة أنّهم لا يقدرون منها على شيء ، وهذا يشمل جميع أعمالهم الصالحة بذاتها ، وفي سورة النور بسراب يتراءى في القيعان « 4 » ويتخيّل أنّه ماء ، وذكر الظمآن لأجل كون تخيّل الماء منه أقوى من غيره ، وهو مع ذلك ساع في الوصول إليه ، وهذا حال الكافر بالنسبة إلى أعماله . وقوله : « حَتَّى إِذَا جَآءَهُ » يمكن أن يكون من تتمّة المثال أو بياناً لحال الممثّل الكافر ؛ فإنّ مجيئه إلى عمله عبارة عن موته ووروده إلى عالم الآخرة ، فلم يجد عمله ووجد اللَّه مالكاً لذلك اليوم ، موفّياً حساب الخلق . وشبّه تعالى في سورة البقرة نفس من أنفق المال رياء ومن لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر بالصفوان ، وهو الأحجار الصافية الملساء ، « 5 » وشبّه أعمالهم بالتراب الموجود عليها ، فإذا نزلت عليها الأمطار الشديدة ذهب التراب بالكلّيّة ، فتبقى صلداً « 6 » صافياً لا تراب عليه . وشبّه تعالى في سورة آل عمران انفاق الكافر الذي هو مثال لسائر ما يصدر منه‌من الخيرات ، بالحرث الذي أصابته ريح فيها شدّة وبرودة ، فأذهبته وأفنته وأهلكته ، فلم يبق فيه ما ينفعهم ، والتقييد بكون الحرث للقوم الظالمين لأجل أنّ غضب الإهلاك فيهم أشدّ .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 264 . . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 117 . . ( 3 ) . ما بين المعقوفين أضفناه لمقتضى السياق . . ( 4 ) . القِيعانُ : جمع القاع ، وهو ما انبسط من الأرض ، وفيه يكون السراب نصف النهار . وهو من الواو ، صارت الواوياء ؛ لكسرة ما قبلها . لسان العرب ، ج 8 ، ص 204 ( قوع ) . . ( 5 ) . راجع : المصباح المنير ، ص 344 ( صفو ) . . ( 6 ) . حجر صَلْدٌ : صلب أملس . الصحاح ، ج 2 ، ص 498 ( صلد ) . .