والآية الثانية في سورة النور تفيد تشبيه أعمالهم السيّئة من كفرهم وعقائدهم الفاسدة ورذائل أخلاقهم وعاداتهم ومعاصيهم البدنية - بظلمات البحر الزاخر « 1 » والأمواج المتراكمة والسحاب الحائل المانع عن ضوء الشمس ونور القمر والكواكب ، فالإنسان المفروض في قعر البحر يكون في ظلمات ثلاث ، فهو لا يرى شيئاً حتّى يده التي يقربها من عينه ، فالكافر واقع في ظلمات عقائده وأخلاقه وأعماله ، فلا يمكن أن يرى شيئاً من حسناته وإن كانت قريبة منه ؛ لصدورها منه .
ثمّ إنّ ظاهر الآيات إفادة العموم في الأعمال حتّى آية البقرة ؛ لمكان الجمع المضاف « أَعْملُهُمْ » ووقوع الجنس في النفي : « لَّايَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مّمَّا كَسَبُواْ » ، فلا دليل حينئذ على كون عملهم نافعاً في حقّهم ، وهذه الآيات بمثابة التوضيح للحبط المذكور في الآيات السابقة بالأمثلة الموضحة المبيّنة للمقصود .
إن قلت : إنّ الآيات المذكورة تعارضها آيات اخر تدلّ على عدم خلوّ العمل الصالح الصادر من الإنسان عن ثواب وجزاء ، فلاحظ قوله تعالى : « وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسنِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُو سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَلهُ الْجَزَآءَ الْأَوْفَى » « 2 » ؛ « فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُو » « 3 » ؛
« يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا » « 4 » ؛
« إِنَّ هذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا » « 5 » ؛
« وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا » « 6 » ؛
« إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِم بِمَا تَسْعَى » « 7 » ؛
« وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْللئكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا » « 8 » .
هامش
( 1 ) . البحر الزاخر : الممدود ، الكثير الماء والمرتفع الأمواج . لسان العرب ، ج 4 ، ص 320 ( زخر ) . .
( 2 ) . النجم ( 53 ) : 39 - 41 . .
( 3 ) . الزلزلة ( 99 ) : 7 . .
( 4 ) . آل عمران ( 3 ) : 30 . .
( 5 ) . الإنسان ( 76 ) : 22 . .
( 6 ) . الكهف ( 18 ) : 49 . .
( 7 ) . طه ( 20 ) : 15 . .
( 8 ) . الإسراء ( 17 ) : 19 . .