فإنّ الجهالة إمّا بمعناه الحقيقي ، وهو عدم العلم اللازم تقييده حينئذ بالجهل التقصيري ؛ إذ لا ذنب لمن عمل بالسوء جاهلًا به قاصراً في جهله ، فمفاد الآيات أنّ قبول التوبة إنّما هو في الذنب الصادر عن جهل ، دون الصادر عن علم وعمد ، وإن كان معنى الجهالة السفاهة ، أي العمل الصادر عن غلبة الهوى والشهوات بحيث نزل علمه عند العقلاء منزلة الجهل ، فصار صاحبه كالجاهل ، لزم أيضاً تقييد مطلقات الآيات بهذه الصورة .
والجواب : هو ما يقال في المقام : إنّه يمكن دعوى كون قيد الجهالة توضيحيّاً بمعنى أنّ السوء لا يصدر من الإنسان إلّاعن جهالة ، لا بمعنى الجهل بالحكم أو الموضوع الرافع للتكليف ، بل بمعنى الغفلة عن عظمة الخالق وعن مفاسد المخالفة والمضارّ المترتّبة عليها في الدنيا والآخرة ؛ إذ لا إشكال في أنّ العارف بجميع جهات الحكم لا يقدم على المخالفة ، فالعامل بالسوء لا يعمله إلّابجهالة .
الثالث : يظهر من بعض الآيات أنّ التوبة تقبل إذا صدر بعد الذنب بلا فصل ، أو بغير فصل طويل ، وإذا أخّر العبد التوبة إلى أواخر العمر فلا تقبل فيها ، قال تعالى : « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْللئكَ يَتُوبُاللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا » « 1 » ؛
« وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ النَ » « 2 » .
والجواب : أنّ المراد بالقريب هو ما قبل حضور الموت ، ويشهد بذلك مقابلة القرب بقوله : « حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ الْمَوْتُ » مع أنّ إطلاق الآيات والأخبار الواردة في باب التوبة ، المحدّدة زمانها بحضور الموت ، كافية في كشف المراد من الآيتين .
الرابع : قيل : إنّ التوبة إنّما تؤثّر في تكفير الذنوب غير الشرك ، وأمّا الشرك فلا تنفع في تكفيره التوبة ، قال تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لَايَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِى وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ لِكَ لِمَن يَشَآءُ
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 17 . .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 18 . .