تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وبالجملة حقيقة التوبة يتحقّق بحصول الندم ، فتارة لا يحتاج إلى غيره حتّى العزم على العود أيضاً كما في الندم عن الذنب مع عدم القدرة عليه في المستقبل ، وأخرى يحتاج إلى العزم أيضاً ، كما في الذنب الذي يقدر على العود إليه ، وثالثة يحتاج إلى إضافة أمر ثالث ، كالقضاء في الصلوات المتروكة عمداً وكإتلاف مال الغير عمداً المستلزم لأداء البدل ، ورابعة يحتاج إلى أمر رابع ، كالكفّارة في الصوم الذي أفطره عمداً وكالقتل عمداً ؛ فإنّه يحتاج إلى تسليم النفس للقصاص ، والكفّارة الجامعة للخصال الثلاث . وأمّا فعل ما يشغل الذمّة بحقّ الناس فقط من غير تحقّق الذنب ، كإتلاف مال الغير خطأ والقتل كذلك ، فلا محلّ للتوبة فيه ، نعم أداء حقّ الغير واجب ، فلو تركه كان عصياناً محوجاً إلى التوبة . ويمكن أن يقال : إنّ التوبة أمر انتزاعيّ ينتزع من تحقّق ما ذكر في تلك الموارد ، ففي مورد ينتزع من أمر واحد وهو الندم ، وفي آخر من أمرين ، وفي ثالث من أمور ثلاثة وهكذا ، ولا يبعد القول بوجود كلا الإطلاقين له . الثاني : يظهر من بعض الآيات أنّ التوبة مقبولة إذا كان الذنب صادراً عن جهل ، ففي غير الصورة لا تقبل التوبة ، قال تعالى : « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلئكَ يَتُوب‌ُاللَّهُ عَلَيْهِمْ » « 1 » ؛ « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّه‌ُو مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءَم‌ا بِجَهلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن‌م بَعْدِه‌ِىوَأَصْلَحَ فَأَنَّه‌ُو غَفُورٌ رَّحِيمٌ » « 2 » ؛ « ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهلَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن‌م بَعْدِ ذَ لِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن‌م بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ » « 3 » .
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 17 . . ( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 54 . . ( 3 ) . النحل ( 16 ) : 119 . .