والثاني : عبارة عن انقياد الموجود المدرك الشاعر في مقابل أوامر اللَّه عن إرادة منه واختيار ، وهذا على قسمين : طوعي وكرهي .
والأوّل : هو الانقياد عن شوق إلى الطاعة ورغبة .
والثاني : الانقياد عن خوف العذاب والعقوبة هذا .
والمراد بالإسلام في ما نحن فيه هو التسليم الاختياري في مقابل التكليف بقرينة أنّ الكلام مسوق لتوبيخ الذين تولّوا عن الكتاب والحكمة وبغوا ديناً آخر ، فالكلام في مخالفة التكليف والتسليم في مقابل دون التسليم في مقابل التكوين ، مع أنّ جعل موضوع التسليم ذوي العقول - كما هو مقتضى كلمة « مَنْ » الموصولة - يشهد بذلك ، كما أنّ قوله : « وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ » يفيد كون الإخبار بالرجوع لبيان محلّ الجزاء وأنّ الباغي عن الدين والمسلم له طوعاً أو كرهاً مجزيّون بأعمالهم إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشرّ ، فالكلام في الإسلام التشريعي ، والآية إشارة إلى الأمر الخامس .
قوله : « قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَى إِبْرَ هِيمَ وَإِسْمعِيلَ وَإِسْحقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى » إلى آخره . الآية الشريفة تعطي أمر النبيّ الأعظم بالإيمان بالدين الواحد المنزل على الأنبياء ، الملازم لتصديق نفس الأنبياء ، ولكون الحكم ثابتاً لكلّ لاحق من الأنبياء بالنسبة إلى الماضين منهم ، وتفيد أيضاً الأمر بالإذعان بوحدة الرسل ، فهي بيان للأمر السادس إلى التاسع ممّا ذكرنا .
والظاهر أنّ المراد بالأسباط « 1 » أولاد يعقوب ، فتشمل أنبياء بني إسرائيل ، كيوسف وداود وسليمان ويونس وأيّوب وزكريّا ويحيى وإلياس وغيرهم .
قوله تعالى : « وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلمِ دِينًا » إلى آخره . الإسلام لغة هو التسليم « 2 » لأمر باطناً وقلباً ، أو ظاهراً ، وقد يطلق على مجموع الأحكام الأصلية والفرعية المنزلة من
هامش
( 1 ) . قد ذكرنا معنى الأسباط ذيل تفسير الآية 33 من سورة آل عمران ( 3 ) . .
( 2 ) . في اللغة : الإسلام : الانقياد ، وأسلم أمره إلى اللَّه : سلّمه وفوّضه . راجع : لسان العرب ، ج 12 ، ص 293 ؛ تاجالعروس ، ج 16 ، ص 351 ( سلم ) . .